تشهد سلطنة عمان مع مطلع عام 2026 تحولا بنيويا في محركات نموها الاقتصادي، حيث بدأت الاستثمارات الاستراتيجية في قطاع تعدين الذهب تؤتي ثمارها بما هي ركيزة أساسية لتنويع الدخل بعيدا عن الهيدروكربونات، عبر إنتاجه محليا في محاولة لاستغلال الارتفاعات القياسية لأسعار الذهب التي قفزت في التعاملات المبكرة أمس الاثنين، لأعلى مستوي منذ ثلاثة أسابيع إلى أكثر من 5160 دولارا للأوقية، بسبب تصاعد عدم اليقين ومخاوف الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب قرار المحكمة العليا الأميركية بإلغاء جزء كبير من الرسوم السابقة.
هذا الزخم التعديني لا يقتصر على كونه مصدرا جديدا للعملة الصعبة، بل يمثل إعادة صياغة للمشهد الاقتصادي المحلي، حيث يُتوقع أن ينمو الاقتصاد العماني بنسبة 2.
6% خلال عام 2026 مدفوعا بنشاط القطاعات غير النفطية وزيادة الإنتاج في مناجم النحاس والذهب المرتبطة بها، حسب تقرير نشرته منصة أليانز تريد (Allianz Trade)، المعنية بأبحاث الائتمان والمخاطر الاقتصادية العالمية في فبراير/ شباط الجاري.
وركز المنتدى التجاري العُماني الكندي لقطاع المعادن الذي نظمته وزارة الطاقة والمعادن العمانية في 19 يناير/ كانون الثاني الماضي بمسقط، على تعزيز الشراكات الاستراتيجية وفرص الاستثمار في المعادن، مع تقديم مشاريع أولوية وبيانات جيولوجية ومناقشات حول سلاسل القيمة والحوافز الاستثمارية.
وانتهى المنتدى بزيارة ميدانية للوفد الكندي إلى محجر النحاس ووحدة المعالجة في منطقة الواشحي، لاستعراض العمليات التشغيلية وسلاسل الإنتاج المرتبطة، مما يعكس دفعة قوية نحو تطوير القطاع بما فيه الذهب المرتبط بالنحاس في جزء من رؤية التنويع الاقتصادي، حسبما أورد تقرير نشرته وكالة الأنباء العمانية في يوم انعقاد المنتدى.
وعلى صعيد التأثير الكلي، يشير خبراء إلى أن إنتاج الذهب محليا، خاصة بوصفه منتجاً ثانيا في مشاريع ضخمة مثل" الواشيحي-مجزة"، يسهم في رفع هوامش الربحية لشركات التعدين وتوفير تدفقات نقدية قوية تدعم الميزانية العامة، حسبما أورد تقدير نشرته منصة" بيكر ستيل كابيتال"، المتخصصة في إدارة الاستثمارات بقطاع المعادن الثمينة في 21 يناير الماضي.
ومع دخول هذه المشاريع مرحلة الإنتاج الفعلي وتصدير الشحنات الخام عبر ميناء صحار، تتعزز قدرة السلطنة على الصمود أمام تقلبات سوق الطاقة العالمية، حيث تُظهر البيانات الرسمية أن الشركات العاملة في هذا القطاع بدأت في تقوية مراكزها المالية وتحسين سياسات تخصيص رأس المال، ما يضع سلطنة عمان في قلب سلاسل التوريد العالمية الجديدة، ويرفع من تصنيفها الائتماني ويسهل وصولها إلى الأسواق المالية الدولية بشروط أفضل.
ومن شأن النشاط التعديني الخاص بالذهب أن يخلق ديناميكية جديدة للتشغيل تتجاوز التوظيف المباشر لتشمل تنمية المناطق المحيطة بالمناجم، حيث يتم دمج الكوادر الوطنية في وظائف فنية وهندسية عالية القيمة، وفق تقدير نشرته منصة" مايننغ تكنولوجي" في 15 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لافتا إلى أن توسع العمليات في المناجم العمانية يحفز الطلب على الخدمات المحلية والخدمات اللوجستية في المحافظات، ما يخلق فرص عمل غير مباشرة في قطاعات النقل والتموين والمقاولات.
ويُنظر إلى هذا التطور على أنه نموذج لتمكين المجتمعات الريفية من خلال ربطها بمشاريع تكنولوجية متقدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والأتمتة لرفع كفاءة الاستخراج، مما يضمن استدامة النمو الاجتماعي والاقتصادي في تلك المناطق، حسب التقدير ذاته.
ورغم أن أسعار الذهب داخليا تظل مرتبطة بالبورصات العالمية، إلا أن توفر إنتاج محلي يقلل من تكاليف الاستيراد والهوامش التجارية الإضافية، مما يوفر استقراراً نسبيا في السوق المحلي، ومع ذلك يحذر محللون من تقلبات حادة شهدها فبراير/شباط الجاري، حيث فقد الذهب نحو 10% من قيمته في هبوط تاريخي مفاجئ قبل أن يعاود الارتفاع مرة أخرى، وهو ما يتطلب سياسات مالية مرنة للتحوط من تذبذب العائدات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك