بيروت- يشكّل قرار الولايات المتحدة تقليص بعثتها الدبلوماسية في بيروت وإجلاء الموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم تطوراً لافتاً في سياق التصعيد المتسارع بينها وبين إيران.
فالخطوة، وإن قُدّمت بوصفها إجراءً احترازياً مؤقتاً، تعكس في مضمونها قراءة أميركية متشائمة لمسار الأحداث، وتوحي بأن احتمالات المواجهة العسكرية لم تعد مجرد ورقة ضغط تفاوضية، بل خياراً قائماً على الطاولة بانتظار لحظة الحسم.
ويشير البيان الصادر عن مسؤول أميركي بشأن “التقييم المستمر للوضع الأمني” إلى أن القرار لم يكن رمزياً، بل استند إلى معطيات استخباراتية دفعت الإدارة إلى تقليص الوجود إلى الحد الأدنى الضروري لضمان استمرار العمل.
ويحمل تقليص الطاقم من دون إغلاق السفارة دلالتين متوازيتين: الأولى أن واشنطن لا تريد إرسال إشارة ذعر أو انسحاب سياسي من لبنان، والثانية أنها تستعد لسيناريو تصعيد قد يضع منشآتها ومواطنيها في دائرة الخطر المباشر.
ويأتي هذا التطور في لحظة حساسة إقليمياً، مع تعزيز الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط وتصاعد نبرة التحذير من جانب الرئيس دونالد ترامب، الذي لوّح بأن “أموراً سيئة للغاية” ستحدث إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني.
وتعزز هذه اللغة، المقرونة بإجراءات ميدانية، الانطباع بأن واشنطن انتقلت من مرحلة إدارة الضغط إلى مرحلة التحضير لفرض وقائع بالقوة إن اقتضى الأمر.
لبنان، بحكم موقعه الجيوسياسي وتعقيداته الداخلية، يجد نفسه مرة أخرى في قلب العاصفة.
الذاكرة الأميركية لا تزال مثقلة بأحداث ثمانينيات القرن الماضي، حين استُهدفت المصالح الأميركية في بيروت خلال الحرب الأهلية، واتهمت واشنطن آنذاك حزب الله المدعوم من إيران بالمسؤولية عن هجمات دامية، أبرزها تفجير مقر مشاة البحرية عام 1983.
ويفسر استدعاء هذا التاريخ، ولو ضمنياً، الحساسية الأميركية تجاه أي تصعيد قد يُترجم إلى عمليات ضد مصالحها في لبنان أو المنطقة.
وفي المقابل، لا تزال القنوات الدبلوماسية مفتوحة ولو بحدود ضيقة.
وتحدث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن “فرصة جيدة” للتوصل إلى حل دبلوماسي، مشيراً إلى لقاء مرتقب في جنيف مع المبعوث الأميركي الخاص.
غير أن المؤشرات المتداولة تفيد بوجود خلافات عميقة حول نطاق رفع العقوبات وتوقيته، ما يقلّص هامش المناورة السياسية ويزيد احتمالات الانزلاق نحو مواجهة عسكرية، ولو محدودة.
وتشير التحليلات الصادرة عن دوائر المخاطر السياسية إلى ثلاثة مسارات محتملة.
السيناريو الأول يتمثل في ضربة أميركية محددة تستهدف منشآت عسكرية ونووية وبنى تحتية مرتبطة بالحرس الثوري، بهدف إعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض معادلة ردع جديدة تدفع طهران إلى العودة للمفاوضات من موقع أضعف.
ويفترض هذا السيناريو احتواء الرد الإيراني ضمن نطاق محسوب، قد يشمل هجمات سيبرانية أو إطلاق صواريخ عبر حلفاء إقليميين، من دون الانجرار إلى حرب شاملة.
ويقوم السيناريو الثاني على أن مجرد الحشد العسكري الأميركي والرسائل التصعيدية سيكونان كافيين لدفع إيران إلى تنازلات مرحلية، بحيث يتحقق الردع من دون إطلاق النار.
وفي هذه الحالة، يكون تقليص البعثة الدبلوماسية خطوة احترازية ضمن لعبة الضغط القصوى، لا تمهيداً لحرب وشيكة.
وأما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالاً لكنه الأكثر خطورة، فيتعلق بحملة عسكرية ممتدة قد تشمل ضربات على منشآت نفطية ومرافئ تصدير، وربما تستهدف مراكز قيادة حساسة داخل إيران.
وستكون تداعيات هذا المسار إقليمية بامتياز: تصعيد مباشر أو عبر وكلاء، تهديد للملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع حاد في أسعار النفط قد يصل إلى مستويات غير مسبوقة منذ أزمات الطاقة الكبرى.
وفي هذا السياق، يصبح لبنان ساحة محتملة لتبادل الرسائل أو الردود غير المباشرة.
وستضع أي مواجهة بين واشنطن وطهران الساحة اللبنانية أمام اختبار بالغ الحساسية، سواء عبر تحركات عسكرية محدودة على الحدود مع إسرائيل أو من خلال استهداف مصالح غربية.
ومن هنا يمكن فهم قرار تقليص البعثة بوصفه إجراءً استباقياً لتقليل المخاطر قبل انفجار محتمل.
ولا يعني تقليص الوجود الدبلوماسي أن الحرب حتمية، لكنه يعكس انتقال الأزمة إلى مرحلة أكثر خطورة.
وتحاول واشنطن الموازنة بين إبقاء باب التفاوض مفتوحاً والاستعداد لفرض حل بالقوة إذا فشلت الدبلوماسية.
وبين هذين المسارين، تبقى المنطقة بأكملها معلّقة على إيقاع قرار سياسي قد يتخذ في لحظة، ليعيد رسم خرائط النفوذ والردع في الشرق الأوسط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك