منذ تأسيس إسرائيل، لم تتعامل مع أمنها بوصفه مسألة حدود فحسب، بل بوصفه هندسة شاملة للمحيط الإقليمي.
الفكرة الجوهرية بسيطة وقاسية في آن: دولة صغيرة محاطة ببيئة عربية واسعة لا تستطيع تحمّل ظهور دول قوية ومستقرة وقادرة على التنسيق فيما بينها، لذلك يصبح التفكك، لا الاستقرار، الحالة الأكثر ملاءمة.
لا يعني ذلك أن الفوضى تُصنع دائماً بصورة مباشرة، لكن غياب الاستقرار في الدول المحيطة لم يكن يوماً خبراً سيئاً في الحسابات الاستراتيجية.
فالدولة المنشغلة بحرب أهلية، أو بانهيار اقتصادي، أو بصراع على السلطة، لا تمتلك فائض القوة ولا الإرادة للدخول في مواجهة خارجية أو بناء مشروع إقليمي مضاد.
هكذا تتحول الأزمات الداخلية إلى جدار حماية غير مرئي.
يكفي النظر إلى القوس الممتد من ليبيا مروراً بالسودان والصومال وصولاً إلى اليمن وسورية.
هذه ليست أزمات متفرقة، بل خريطة متصلة لدول ضعيفة أو منهكة أو منقسمة على نفسها.
النتيجة المباشرة هي غياب أي كتلة عربية قادرة على الفعل الجماعي، وتحول الإقليم إلى فسيفساء من الأزمات المتداخلة التي تستنزف الجميع.
وتزداد الصورة وضوحاً عند النظر إلى القرن الأفريقي، الذي يتحكم بممر حيوي هو البحر الأحمر، شريان الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب.
هنا تظهر إثيوبيا، دولة كبيرة بلا منفذ بحري، عامل توتر دائم.
سعيها للحصول على منفذ إلى البحر لا يهدد التوازنات القائمة فحسب، بل يضمن بقاء المنطقة في حالة شدّ مستمر بين الدول الساحلية والدولة الحبيسة.
وكلما ازداد التوتر، ازدادت الحاجة إلى تحالفات خارجية وضمانات أمنية، أي مزيد من الانخراط الدولي في منطقة غير مستقرة أصلاً.
الدولة المنشغلة بحرب أهلية، أو بانهيار اقتصادي، أو بصراع على السلطة، لا تمتلك فائض القوة ولا الإرادة للدخول في مواجهة خارجية أو بناء مشروع إقليمي مضاد.
ولا يقتصر المشهد على الدول وحدها.
فالحروب الحديثة تُدار أيضاً عبر فاعلين من خارج الدولة: مليشيات، حركات انفصالية، شبكات مسلحة، ونخب سياسية هشّة تبحث عن داعم خارجي.
هذه القوى، بحكم اعتمادها على التمويل والحماية، تتحول إلى أدوات نفوذ منخفضة الكلفة مقارنة بالحروب التقليدية، لكنها أدوات خطرة أيضاً؛ لأنها قد تنقلب في أي لحظة أو تخرج عن السيطرة، لتصبح تهديداً عابراً للحدود.
من منظور سياسي واقعي، ما يحدث ليس مؤامرة كونية بقدر ما هو منطق قوة بارد: نقل التهديد بعيداً عن الحدود وترك الخصوم المحتملين ينهكون بعضهم بعضا.
إنها سياسة" إدارة الفوضى" لا" حل الأزمات".
لكن المشكلة أن الفوضى لا تعترف بالحدود؛ فالجماعات المسلحة، والهجرة القسرية، والتهريب، والإرهاب، كلها ظواهر تنتقل بسهولة من دولة إلى أخرى، وقد تصل في النهاية إلى من ظنّ أنه بمنأى عنها.
الخاسر الأكبر هنا ليس الدول المنهارة فحسب، بل الدول العربية التي لا تزال قائمة لكنها محاطة بمحيط مشتعل.
فهذه الدول تضطر إلى إنفاق هائل على الأمن، وتواجه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية بسبب اللاجئين والأسواق غير الشرعية، وتعيش في حالة استنزاف دائم تمنعها من الاستثمار في التنمية أو بناء نفوذ إقليمي حقيقي.
ومع ذلك، من الخطأ اختزال كل ما يحدث في دور الخارج وحده.
فالتدخلات لا تصنع الانهيار من العدم، بل تستثمر في هشاشة قائمة أصلاً: مؤسسات ضعيفة، انقسامات اجتماعية عميقة، فساد، واقتصادات عاجزة.
الدولة القوية قد تتعرض لضغوط هائلة لكنها لا تنهار بسهولة، أما الدولة الهشّة فتكفيها صدمة واحدة لتدخل في دوامة لا تنتهي.
في النهاية، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو حروب كبرى تقليدية بقدر ما تتجه نحو حالة دائمة من" اللاحرب واللاسلم"، حيث لا أحد ينتصر فعلاً ولا أحد يخرج من الصراع.
إنها بيئة رمادية تُدار فيها الأزمات بدل أن تُحل، وتُستخدم فيها الفوضى أداةً استراتيجية طويلة الأمد.
قد لا تكون هذه السياسة معلنة، لكنها واضحة في نتائجها: شرق أوسط بلا مركز ثقل عربي، بلا منظومة أمن جماعي، وبلا قدرة على فرض معادلة ردع متوازنة.
وفي عالم تحكمه القوة قبل الشعارات، يبقى السؤال الأهم: من المستفيد من بقاء الإقليم في هذه الحالة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك