يصل معظم البشر إلى أقصى مرحلة ضغط، في منتصف العمر، أي في الفترة التي قدرها المختصون بين 36 و48 سنة، حين ترتفع وتيرة الضغوطات المهنية والاجتماعية، وتكثر المسؤوليات الأسرية، والالتزامات تبلغ أوجها، بينما يصارع الجسد اضطرابات هرمونية، وقلقا، حيال المؤشرات الصحية، التي تنذر ببعض الأمراض والاضطرابات.
كل هذا، يمكن أن يتسبب في ظهور ما بات يطلق عليه “اكتئاب منتصف العمر”، الذي تمتد تأثيراته على الصحة البدنية والداخلية، كما على الصحة النفسية.
يختلف اكتئاب منتصف العمر عن الاكتئاب في باقي المراحل العمرية، بحسب آخر الدراسات العلمية، في كونه بات مرتبطا بظهور بعض الأمراض، كالخرف، والزهايمر، والأورام السرطانية.
فوصول الفرد إلى هذه المرحلة من حياته، يجعله يراجع الماضي على جميع المستويات، ويقلق بشأن المستقبل، يشعر رغم إنجازاته بفقدان الشغف أحيانا، وأحيانا أخرى، بانعدام المعنى لما قام به أو لما يسعى إليه.
وما يزيد الوضع سوءا، هو موضع البعض الذي يمنعهم من الانسحاب أو الراحة أحيانا.
التباطؤ قاتل صامت في هذه المرحلة.
يتزامن منتصف العمر التقريبي، لدى الكثير من الأفراد، باعتلائهم مناصب ثابتة، قيادية أحيانا، ما يضعهم أمام مسؤولية مهنية كبيرة، في الحفاظ على مسيرة مشرفة، تضاف إلى المسؤولية الأسرية في تربية وتوجيه الأبناء، وضمان حاضر ومستقبل مريح لهم.
الأمر، عادة، يكون مرهقا نفسيا وجسديا، بحيث يحدث خللا في تنظيم طاقة الدماغ والوظائف التابعة له.
وهو ما يفسر إصابة الأفراد، في هذه المرحلة العمرية، بالتهابات كثيرة واضطرابات هرمونية، ويرتفع إفراز الكورتيزول في أجسامهم، وتتسارع شيخوخة الخلايا، أكثر من أي وقت مضى، فتزيد قابلية الدماغ للتدهور لا للتطور.
خارجيا، تترجم كل هذه المعارك الداخلية، على هيئة انسحاب وتباطؤ استجابة، تثقل الفرد عن ممارسة الحياة الاجتماعية الصاخبة، وتفقده الاندفاع والشغف، فيصبح أكثر ركودا.
بهذا الشأن، تتحدث الأخصائية النفسية، نادية جوادي: “إذا أصيب أحدهم باكتئاب منتصف العمر، الذي يستهدف النساء أكثر، فإنه يعيش حالة من الاختلال في التنسيق بين مناطق الدماغ، التي يعزى إليها التخطيط الحركي، وبين المعالجة المعرفية في شتى الجوانب، ومنه تتراجع كفاءة التواصل العصبي، نظرا إلى انخفاض سرعة نقل الإشارات بين الخلايا العصبية.
ومنه، يمكن تصنيف مسار التدهور العصبي، الذي يبدأ في هذه المرحلة، وينتهي عند الإصابة بالزهايمر، أو الخرف على المدى البعيد.
كما أن عدم مقاومة الجسم، واستسلامه لنمط حياة غير صحي، كقلة النوم والراحة، مع النظام الغذائي الخاطئ، يسرع في ظهور وانتشار خلايا خبيثة”.
هكذا توقف الاكتئاب من التحول إلى الأسوإ.
يتفق خبراء الصحة على أن الاكتئاب، كاضطراب نفسي، لا يخلق أمراضا عضوية، لكن تزامنه مع فترة ضغط كمرحلة منتصف العمر، يسهم في توفير بيئة خصبة لظهور الأمراض والأورام، وتفاقمها في الجسم، حين يكون ضغط الدم مرتفعا على الدوام، والسكر مضطربا، والالتهابات الصامتة تأكل الجسد، وتتفشى بسرعة، تضعف المناعة، وتستلم آليات الدفاع، بتغير كيمياء الدماغ.
بلوغ هذا الحد، يستدعي قوة داخلية ومقاومة من المريض، لإنقاذ ذاته وحمايتها مما هو أسوأ، ويتطلب من محيطه المساعدة.
توضح الأخصائية النفسية نادية جوادي: “يبدأ انهيار التوازن النفسي، بانطلاق الصراع الوجودي، عندما يقرر الفرد فجأة أن يحاسب نفسه، فلا يجد لها رسالة مناسبة في الحياة، أو إنه يعجز عن بلوغها بسبب الظروف، حينها يوقعه الاكتئاب، الذي لا يشبه أي اكتئاب سريري آخر، يجب التعامل معه بحكمة أكبر، إذ يبقى الكشف الصحي وإجراء الفحوصات ضروريا جدا، خاصة بظهور أي عرض مبكر.
ولا يجب أبدا التوقف عن النشاط البدني والذهني وإهمال العناية الذاتية بما في ذلك النظام الغذائي، بالرغم من تدهور المشاعر، وضعف الحالة النفسية”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك