في مدينة النبطية جنوبي لبنان، تحاول السوق التجارية استعادة عافيتها عبر مهرجان التسوق الرمضاني، بعد أن تضرّرت بشكل واسع جراء الغارات الإسرائيلية التي طاولت المدينة خلال الأشهر الأخيرة.
فقد ألحقت الغارات الجوية أضراراً كبيرة بالبنية التحتية التجارية، بما فيها إمدادات التيار الكهربائي، وأدت إلى تدمير غالبية المحال والأسواق الشعبية وتضررها.
وقتلت إسرائيل أكثر من 4 آلاف شخص وأصابت نحو 17 ألفاً خلال عدوانها على لبنان، الذي بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قبل أن يتحول في سبتمبر/أيلول 2024 إلى حرب شاملة توقفت أواخر العام ذاته عقب اتفاق لوقف إطلاق النار.
ورغم توقف العمليات العسكرية المباشرة نسبياً، لا تزال أسواق النبطية تواجه أزمة نهوض حقيقية في ظل غياب التعويضات للتجار، ما دفع كثيرين إلى التريث وإبقاء محالهم مغلقة بانتظار قرارات حكومية بشأن آليات الدعم.
ويعوّل التجار على الفعاليات المحلية خلال شهر رمضان لاستعادة الحركة في المنطقة، ولو مؤقتاً، ريثما تتبلور حلول اقتصادية أوسع تعيد للنبطية دورها التقليدي بما هي مركز اقتصادي رئيسي في الجنوب اللبناني.
أطلقت جمعية تجار النبطية مهرجان التسوق الرمضاني في محاولة لتحريك عجلة الاقتصاد واستقطاب الزوار من أبناء المنطقة وخارجها، بهدف إعادة الحياة إلى الأسواق وربط السكان مجدداً بالمراكز التجارية المحلية.
وضمن فعاليات المهرجان، نصبت الجمعية" أكبر فانوس رمضاني في لبنان" على أنقاض أحد المباني المدمّرة داخل السوق التجارية، بالتوازي مع إضاءة الشوارع الرئيسية المؤدية إلى السوق، في رسالة رمزية تعكس إرادة النهوض من تحت الركام.
ويقول رئيس الجمعية، موسى الحر شميساني، لوكالة الأناضول إن الجمعية وبلدية النبطية تبذلان جهوداً كبيرة لتحريك النشاط التجاري في المدينة، مشيراً إلى أن أول مهرجان أُقيم العام الماضي بعد الحرب الإسرائيلية أسهم في إحداث زخم تجاري في المنطقة.
ويوضح أن العديد من التجار بدأوا بإعادة إعمار محالهم بجهود ذاتية في ظل غياب الدعم الحكومي، مؤكداً أن أبناء الجنوب يعتمدون على التضامن المجتمعي لإعادة بناء ما دمرته الحرب.
ويضيف أن البلدية وأصحاب المولدات الكهربائية ساهموا في إنجاح المبادرة عبر توفير الإضاءة والخدمات الأساسية، مشدداً على أن المجتمع المحلي يقف إلى جانب التجار لإعادة الحياة إلى السوق.
ولا تقتصر الأجواء الرمضانية في النبطية على الزينة والاحتفالات، بل تشمل إحياء العادات التقليدية، وفي مقدمتها مدفع رمضان الذي دخل عامه المئة، ويُعد من أبرز رموز الذاكرة الشعبية في الجنوب اللبناني.
ويقع المدفع في ساحة النبطية، ويُعد من القلائل الذين لا يزالون يُطلقون قذائفهم يومياً عند موعد الإفطار، وسط تجمع الأهالي والأطفال الذين يحرصون على حضور الإطلاق، في مشهد يعكس التمسك بالتراث رغم الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة.
ويقول المواطن علي فران إن صوت مدفع رمضان يحمل رمزية خاصة للأهالي، معتبراً إياه" صوت الفرح الذي ينتظره الأطفال كل عام"، في مقابل أصوات القصف والغارات الإسرائيلية التي اعتاد الناس سماعها خلال الفترة الماضية.
ويضيف أن هذا الصوت أصبح جزءاً من التراث الشعبي للمدينة، وأن الأجيال الجديدة ستنشأ على هذه الذاكرة الجماعية المرتبطة بشهر رمضان.
يوضح علي عميص، أحد مسؤولي تنظيم مهرجان التسوق الرمضاني للأناضول، أن النبطية اعتادت تنظيم مناسبات رمضانية تهدف إلى إدخال الفرح إلى قلوب المواطنين، وتوفير فرص للتجار في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
ويشير إلى أن الفعاليات تأتي في وقت ما تزال فيه المنطقة الجنوبية تعاني من آثار الدمار والقصف الذي خلفته إسرائيل، وأن هذه الأنشطة تساهم في إعادة إحياء السوق التجارية وتعزيز الصمود المجتمعي.
أما الإعلامي ومنظم الفعاليات طارق مروة، فيؤكد أن الهدف من هذه الأنشطة هو تسليط الضوء على المحال التجارية في النبطية وإنعاش الاقتصاد المحلي.
ويلفت إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة تهدف إلى تجميد الحركة الاقتصادية، لكن الأهالي يسعون إلى مواصلة حياتهم والاستمتاع بأجواء رمضان الاحتفالية.
وتُعد النبطية من أهم المراكز التجارية في جنوبي لبنان، وكانت سوقها التقليدية تستقطب آلاف الزوار من القرى والبلدات المجاورة، وتشكل مصدر رزق رئيسياً لآلاف العائلات.
غير أن الحرب الأخيرة أدت إلى تراجع النشاط التجاري بشكل حاد، في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة يعيشها لبنان منذ عام 2019، والتي تسببت بانهيار العملة الوطنية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وفق تقارير دولية.
كما يواجه التجار تحديات إضافية تتمثل في ضعف القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع تكاليف التشغيل، وانقطاع الكهرباء، فضلاً عن غياب برامج دعم حكومية شاملة لإعادة إعمار القطاع التجاري في المناطق المتضررة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك