يذكر اسم الشيخ عبد الرشيد علي صوفي فيستحضر السامع تلاواته الندية وفجرياته المؤثرة ونغمته الفريدة.
يصدق عليه قول العلامة الموريتاني محمد الحسن ولد الددو إنه" من أتقن الناس اليوم للقراءات العشر".
حباه الله صوتا مؤثرا في نفوس السامعين، يشوق مريديه ومحبيه إلى قضاء رمضان معه كل عام.
وفي هذا المقال نحدثكم عن يوميات الشيخ وجدوله، وعن جمال الليالي معه في رحاب جامع محمد بن حمد بن عبد الله آل مانع بمنطقة لوسيل في الدوحة.
خطب قائلا: إن الله تعالى أعاننا على طاعته وعلى القيام، فوالله لولا عون الله لما استطعنا.
العبد الفقير الذي يتقدم أمامكم فيه من العلل ما لا يعلمها إلا الله، وأنا أدخل في الصلاة وعندي شكوك، ولكن يأتي العون من الله.
يباشر الشيخ برنامجه من أول ليلة في رمضان، فيؤم الناس صلاة العشاء ويصلي بهم التراويح 23 ركعة، يقرأ فيها حزبين أو يزيد، ثم يتجه إلى حجرة خاصة في زاوية المسجد ويهجع ما تيسر له من ساعة أو ساعتين استعدادا للتهجد في أول ليلة من الشهر المبارك.
يقبل الشيخ على محرابه إذا انتصف الليل وأطفئت الأنوار في المسجد، ولا يأتي إلى التهجد في الليلة الأولى إلا زائر جديد أو متهيئ لاختبار صعب.
يبدأ القيام بركعتين خفيفتين بقصار السور، ويثني بركعتين يتلو في أولاهما سورة البقرة كاملة، وآل عمران في الثانية، ولا يمر على آية من آيات الوعيد إلا كررها مخبتا مشفقا وجلا، ويردد آيات الوعد والتبشير مستبشرا، وهو في قراءته يزاوج بين الحدر والتدوير.
يستريح الناس قليلا بعد هاتين الركعتين، ثم ينوب عنه ابنه البكر الشيخ محمد عبد الرشيد، فيقرأ في ركعتين من بداية سورة النساء إلى قوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} (النساء: 41).
لا يقوى الشيخ على الصلاة قائما إذا كان مأموما، بل ينصب له كرسي ليأتم منه.
ومن الطرائف أن بعض الناس تهامسوا بمرضه في رمضان عام 2022، وتوهموا أنه لن يتحمل الركعتين الطويلتين، فصلى بهم كعادته ولم يغير شيئا من قراءته، حتى إذا فرغ من الصلاة شق عليه الوقوف ليصل إلى كرسيه، ثم خطب قائلا: " إن الله تعالى أعاننا على طاعته وعلى هذا القيام، فوالله لولا عون الله لما استطعنا.
العبد الفقير الذي يتقدم أمامكم فيه من العلل ما لا يعلمها إلا الله، وأنا أدخل في الصلاة وعندي شكوك، ولكن يأتي العون من الله والمدد والتيسير، هذا من الله سبحانه وتعالى (…) والذي يتأمل كلام الله عز وجل، وما ثبت في السنن وفي السير من قيام عباد الله بين يدي الله، يحتقر مثل هذا العمل".
وأضاف متحدثا عن والده الشيخ علي صوفي، رحمه الله، قائلا: " أنا أتذكر، بعد صلاة العشاء، أن والدي ما كان عنده سهر أبدا، ولا مقابلة أحد، وعند الساعة الواحدة يبدأ القيام في كل الليالي وينتهي عند الثالثة.
وفي الصومال وهاتيك البلاد الوقت معتدل، يعني دائما صلاة الفجر على الساعة الخامسة، لكن بعد القيام تجده دائما في المسجد لوحده جالسا يقرأ.
فهذه نماذج، يعني سبحان الله، الواحد يرى ويعرف كم تقصيرنا نحن".
ثم استدرك: " إن شاء الله، أي واحد جاء هذه الليلة مثلا جديد، ليست هذا حالنا كل ليلة في رمضان، نحن في الليالي الأخرى قيامنا خفيف جدا".
وتتكرر مثل هذه الليلة ثلاث مرات في رحاب رمضان، مستهلها في الليلة الأولى، ثم تعود في الليلة الحادية عشرة، وآخرها عادة في ليلة التاسع والعشرين، وبهذا يكون قد ختم ثلاث مرات في القيام ومرة في التراويح.
في الليالي الأخرى يبدأ القيام إذا انتصف الليل وينتهي بعد الثالثة فجرا، يتلو فيها ستة أحزاب من القرآن، ولا يوتر عادة لأنه أوتر مع التراويح، إلا في العشر الأواخر فيكون الوتر مع القيام.
ويقصر قلمي عن وصف قنوته وتضرعه في دعائه، يحيي القلوب الغافلة ويوقد شوقا إلى نعيم الآخرة.
وقد حدث معي ذات مرة أني صليت جنب شاب يافع، بعيد كل البعد عن مظاهر التدين في الملبس والهيئة – غفر الله لنا ظن السوء – لاحظت فيه تفاعلا مع تلاوة الشيخ، وكان كبير التأثر به، منحنيا معظم صلاته، يزيد انحناء عند آيات الوعيد.
بدأ الشيخ القنوت، فتزاحم على سمعي بكاء من خلفي، ونحيب عن يساري، وعويل من أمامي، والكل بين قائل" آمين" وقائل" يا الله! ".
وواصل الدعاء حتى دعا بدعائه المشهور:
إلهنا: كيف يناجيك في الصلوات من يعصيك في الخلوات، لولا حلمك؟أم كيف يدعوك في الحاجات من ينساك عند الشهوات، لولا فضلك؟أز صدر الشاب أزيز المرجل من البكاء، وارتفع أنينه درجات، ثم جثا على ركبتيه وغطى وجهه بيديه، وبقي على حاله حتى سجد الشيخ فسجد معه، وخرج من المسجد مسرعا بعد الصلاة مغطيا وجهه كيلا يميزه المصلون.
تضاء كل زاوية في المسجد بعد التهجد، ويخرج الناس إلى بيوتهم يبتغون السحور، ويختلي الشيخ بنفسه في زاوية المسجد يناجي ربه بورده من كتاب" الحزب الأعظم" للإمام الزاهد الملا علي القاري.
فإذا رجع القوم لصلاة الفجر صلى بهم بربعين من القرآن، ثم يجلس إليهم بعد الفريضة يعرض عليهم جديد تأملاته من القرآن، أو يعظهم ويذكرهم بالله ويحثهم على أبواب الخير.
روتين الشيخ في النهار: بين الأذكار والإقراء.
كذلك شأنه مع العبادة في النهار، يودع جلساءه قبيل الشروق ويتوارى في غرفة محاذية للمحراب، يستقبل فيها بعجالة من أراد السلام عليه من الزائرين، ثم يعصب أولاده حوله ويبدؤون جلسة الذكر، أو يجلس وحده لأذكار الصباح، ثم ينصرف -بعد ليلة من الجد في العبادة- ليرتاح سويعات إلى وقت الزوال.
يتفرغ بعد الظهر للإقراء، ويتناوب عليه طلابه إلى صلاة العصر، ويقطع عليهم الدرس أحيانا صاحب حاجة يعرضها عليه أو زائر مسافر.
وقد حدثني الشيخ عمر نور -صديق الشيخ- عن مريدين يقصدونه من أوروبا وآسيا وإفريقيا، يقضون معه رمضان كاملا على هذا النحو كل عام.
يحب الشيخ أن يختلي بنفسه بين العصر والمغرب ليقرأ أذكار المساء و" جلاده" من القرآن بالمصطلح الصومالي -وهو ورد يومي قدره سبع القرآن- وقل أن تصفو له هذه الخلوة أيضا، فباب الشيخ مشرع دائما للزوار والمريدين الملحين على لقائه، تبركا وطلبا للدعاء.
فإذا حان وقت الإفطار بدأ الدورة من جديد، لا يتغير جدوله إلى يوم العيد.
هذا حال الشيخ في رمضان، يقضي نصف ليله قائما لله بين تراويح وتهجد خمس ساعات كاملات، ويقضي معظم نهاره بين الأذكار والأوراد والإقراء.
يصدق فيه قول ابن القيم:
القانتون المخبتون لربهم.
الناطقون بأصدق الأقوال.
يحيون ليلهم بطاعة ربهم.
بتلاوة وتضرع وسؤال.
وعيونهم تجري بفيض دموعهم.
مثل انهمال الوابل الهطال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك