يواصل الشاعر الليبي فرج العربي في ديوانه" أنا وعطرها"، الصادر حديثاً عن دار" الرواد" للنشر والطباعة (2026)، ممارسة محاولات التصالح مع ذاته وأعماقه الداخلية، ومع الواقع المحيط، في آن واحد.
وهو إذ يعلن رغبته في الاحتواء المزدوج، أي أن يحتوي غيره وأن يحتويه الآخر، فإنه لا يغفل أنه يمشي حافياً فوق الأشواك، ولكنه يأمل في أن يكون مروره المؤلم مروراً عابراً، تتلاشى جراحه وندوبه بعد حين بالمثابرة.
يمضي صاحب المجموعات الشعرية" بدايات" و" الوقت دفعة واحدة" و" كذبة مثل أرواحنا"، في إصداره الجديد، صوب رهافة أدق وتكثيف أعمق في قراءة أناه المنفلتة بكل مستوياتها وطبقاتها الظاهرة والخفية والمسكوت عنها، معيداً رسم علاقاتها المتعددة والمتقاطعة مع إحداثيات الحياة الدائرة من حوله.
وهذه الحياة، على ما تنطوي عليه من ويلات وأهوال وظلمات، هي تستحق دائماً الانخراط فيها بروح المغامرة والمقاومة، ومواصلة محطاتها إلى النهاية بخلايا ضوئية متجددة، وبشعلة نارية قادرة على بث الدفء والعشق والنعيم" أشعلتُ ناراً بجوار كوخ في آخر النفق/ تركتها تنتشر/ كي أنعم بحبّكِ".
يحرّك فرج العربي (65 سنة) في ديوانه" أنا وعطرها" مجموعة من المفاهيم والمسمّيات خارج أطرها اللغوية والدلالية الراسخة.
فهناك" أنا" تقترن تعبيريّاً بملازمة العطر من خلال حرف العطف، وهناك عطر يقترن دائماً وأبداً بالـ" هي" أو الأنثى من خلال الإضافة.
هذا التأويل المباشر يحيل آليّاً إلى علاقة الذات بعطر الأخرى، ولكن التجلي الشعري بطبقاته وتوتراته ومراياه الوجدانية العاطفية والجسدانية والواقعية والفلسفية يتجاوز بالتأكيد ما هو متوقع ونمطي عن الأنا والأنثى وحاسة الشم والرائحة، وهذا هو ما يجدر إبداعيّاً ومعرفيّاً برحلة تأملية مضطربة مضطرمة لشاعر" يحمل قلق المسافات على ظهره"، بحد قوله، ولا يشعر بتسرّب الزمن" أترك حكمتي أمام أعينكم/ أترك الحقيبة تنتظرني كعادتها/ لا أحس بالسنوات تذهب بهذه السرعة".
تتشبث الأنا الشاعرة بالحياة وحقيقتها وأخضرها الذي لا يزول، بقدر إيمانها بالأنثى وجوهرها وخصوبتها اللانهائية.
تقتنص الأنا المشحونة بتجربة الإنسان رائحةَ الحياة المعتقة من نافذة الأنثى، كما تقتنص عطرَ الأنثى الأنيق من نافذة الحياة.
تجد هذه الذات وجودَها اللحظي والتاريخي والافتراضي في وجود الأنثى ووجود الحياة، ولكل وجودٍ رائحته المميزة، بمعنى كينونته، ومفتاح سره، وماهية سحره، وماء ورد روحه المقدسة.
يتكشف ذلك كله مبكراً، منذ الإهداء الحاشد إلى إيناس، بتوصيفاتها الشافية وأطيافها الجامعة" أنتِ الألفة حين يتوحش الوقت/ وقتي حين يغدر المكان/ أنتِ يقيني حين يحيط بي الزيف/ والطمأنينة حين يشتد بي القلق".
ومن عبارة إلى عبارة، ومن نص إلى نص، تكتمل أجزاء هذه الصورة النموذجية للأخرى أو الـ" هي" من دون مواربة، فـ" البيت بدونكِ لا أبواب له، ولا نوافذ/ يهرب الهواء منه ولا تلفحه الشمس/ بدونكِ، الطمأنينة بعيدة، والوهج خافت".
يتحدث الشاعر عن رغبته في" استقبال أنوثة فاخرة"، بقدر حرصه على ملامسة حياة كاملة الدسم، وإن كانت حياة قصيرة وفق قانونها الأزلي" الحياة قصيرة وكفيلة بنا".
وفي هذه التجربة، يتلاحم الجسداني والنوراني، ويلتقي البشري والملائكي والأسطوري معاً في كائن واحد" أهذا الجسد الطاغي كله من أنوثتك؟ / من أي جبال جئتِ؟ ".
ومع الاستغراق في استنشاق مزيد من عطورها الأنثوية، تصير الـ" هي" مظلة لسرديات من حقول متنوعة، دينية وتراثية وتاريخية وملحمية وفلسفية، كتشكل الكون، وقصة الخلق، وخميرة الكائن الصلصالي الأول، وطرد آدم وحواء من الجنة، وتحولات الإنسان عبر العصور" رائحتكِ مزيج من نكهة فاخرة/ أزهار ونباتات برية/ لها لون لا يوجد في ذاكرتي، أو في ألوان عرفتها منذ طفولتي/ لها طعم لم أدرك ماذا يشبه/ نبيذ معتق منذ عشرات السنين، في أقبية كنائس قديمة، نتعمد به عندما نلتقي/ ياسمين مقطر من روحكِ، أغتسل به بلذة المنتشي فوق سريرك/ عسل مختلط بلعابكِ عند الفجر، أشربه حين نرقص رقصتنا المعتادة".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).
ولا تكف الأنا الرحّالة عن السياحة والتطواف والهيام، انجذاباً إلى تلك العملة الاستثنائية النفيسة، التي وجهاها هما: الأنوثة، والحياة.
وفي إحدى جولاتها، تستحضر الذات الشاعرة عبق الشرق القديم، سالكة طريق الحرير، حيث مدينة" مرو" في تركمانستان، التي كانت معبر طريق الحرير وعاصمة خراسان في العهد الإسلامي، وكانت تعرف بـ" عين الدنيا".
ولا تسجل الأنا تاريخاً لعبورها، لأنها تنشد ضالتها ومعشوقتها خارج الزمان والمكان" قوافل تجار الحرير تمر بجوارنا، وباعة الأقمشة يغمروننا بالألوان/ هاجَمَنا بعضُ اللصوص، واستطعنا أن ندبر مكيدة/ امرأتي أثارت شغباً مقصوداً، وسط السوق/ كنت أشجّعها كي نهرب، من قطّاع الطرق، وهم يتربصون بنا آخر الزقاق/ فكرنا كثيراً في أمر هذه المدينة، ولم نسجل تاريخاً لعبورنا".
وكعملية التقطير الكيميائية، بتبخير المواد المختلطة وتكثيف الأبخرة للحصول على نكهات وروائح عطرية خالصة صافية، يتعاطى الشاعر فرج العربي مع المواد الحسية والمعنوية، وأبخرتها وروائحها، في القصائد الأربع والأربعين المختزلة التي يضمها ديوانه" أنا وعطرها" في ست وسبعين صفحة.
ينقي الشاعر كبسولاته الشعرية المضغوطة من الزوائد والشوائب العالقة، موازناً بين ما يبدو أنه التقاط سريع للمشهد اليومي العادي بلغة مبسطة، والتأمل الفلسفي، وطرح الأسئلة الذهنية والوجودية والكونية، وذلك في منظومة من التشكك والحيرة، هدفها نفي الأوهام واستبعاد الاحتمالات المضللة قدر الإمكان، وبلوغ هدنة قصيرة أو استراحة محارب لالتقاط الأنفاس" تمسحين عن وجهي وجعاً قديماً، كأنكِ مرفأ أمان، لبحار مثلي، طاف موانئ كثيرة، ويرغب أن يستريح".
ولا تنفك الذات الشاعرة، الهائمة في تأملاتها وتساؤلاتها، تفتش طويلاً عن ثواني المواعيد المخبوءة خارج حيز الوقت وجدوله الرسمي، أملاً في مكسب صغير أو بذرة أمل أو تحلل نسبي من الأثقال المرهقة" أخبريني، أين خبأتِ مواعيدنا، وأماكن ترددنا، لكي نحتفي بفرحة صغيرة بيننا، وبدون ثقل لا نتحمله؟ ".
وهي ذاتٌ تبقى متفائلة على رغم كل شيء، تنثر خطاها في الاتجاه المعاكس للفَناء السائد، وتظل في انطلاقاتها المتتالية على دراية بأن" الأيام أمامنا، ونحن نركض خلف أكذوبة نسميها الوقت"، وعلى ثقة بأن ثمة سعادة مؤجلة في ركن ما من الأركان المنسية أو المهملة" السعادة لا تعني كلمة تقال، أو لحظة يمكن أن نعيشها في يوم غامض/ ربما كانت فسحة للاشتياق، أو لمسة لا نعرف من أين جاءت/ السعادة، ربما، أن نرضى بفرح صغير، وندعو الله أن يكبر/ ربما السعادة نحن، عندما نرتوي بأنفسنا".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك