في ليالي رمضان، حين تتزين مساجد مصر الكبرى بأنوارها، وتفوح في أرجائها روحانية الشهر الكريم، يسطع نجم فريد لا يشبه غيره، هو نجم “دولة التلاوة” التي أنجبت أعلامًا صاروا مدارس قائمة بذاتها في الأداء والخشوع والإتقان.
وفي صلاة التراويح خاصة، تتجدد هذه الدولة، ويعود وهجها عبر أئمة حملوا الراية، فجمعوا بين جمال الصوت، وصحة الأداء، وصدق التأثير.
لقد عرفت مصر عبر تاريخها كوكبة من القراء الكبار الذين صنعوا مجد المدرسة المصرية في التلاوة، أمثال الشيخ محمد رفعت، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والشيخ محمود خليل الحصري، والشيخ محمد صديق المنشاوي.
هؤلاء لم يكونوا مجرد أصوات جميلة، بل كانوا أصحاب رسالة، ارتبطت تلاوتهم بالخشوع العميق، والالتزام بأحكام التجويد، والإحساس الصادق بمعاني الآيات.
واليوم، وفي مساجد مصر الكبرى، يستعيد أئمة التراويح هذا الإرث، ويقدمون نموذجًا معاصرًا يحافظ على هوية المدرسة المصرية، ويخاطب في الوقت ذاته أجيالًا جديدة اعتادت السرعة واختصار الزمن.
ففي مسجد الحسين، ومسجد عمرو بن العاص، ومسجد السيدة زينب، والجامع الأزهر ومسجد مصر ومسجد الفتاح العليم، وغيرهم من المساجد الكبري تتعالى أصوات الأئمة في ليالي التراويح، في مشهد تتداخل فيه الدموع مع الدعاء، ويجتمع فيه الناس على مائدة القرآن كما يجتمعون على موائد الإفطار.
نجوم دولة التلاوة من أئمة التراويح اليوم ليسوا فقط أصحاب حناجر ندية، بل هم دعاة بسلوكهم قبل كلماتهم.
فهم يدركون أن صلاة التراويح ليست استعراضًا صوتيًا، وإنما مقام عبادة وخشوع.
لذلك يحرصون على التوازن بين جمال الأداء وعدم التكلف، وبين إطالة القراءة ومراعاة أحوال المصلين، خاصة كبار السن وأصحاب الأعذار.
وما يميز المدرسة المصرية في التراويح هو ذلك النفس المقامي الرصين، الذي لا يخرج عن جلال النص القرآني.
فالأداء هنا ليس تقليدًا عابرًا لمدارس أخرى، بل هو امتداد لذائقة تشكلت عبر عقود، تقوم على وضوح الحروف، وانضباط المخارج، والانتقال المتقن بين المقامات دون افتعال.
ولهذا يظل المستمع المصري قادرًا على التمييز بين الأداء المتزن والأداء المتكلف، وبين التلاوة التي تنبع من القلب، وتلك التي تسعى فقط إلى التأثير اللحظي.
كما أن مساجد مصر الكبرى في رمضان تتحول إلى ساحات جامعة لكل فئات المجتمع؛ فيقف الشاب بجوار الشيخ، والعامل بجوار الأستاذ الجامعي، في صورة تجسد وحدة الصف وروح الجماعة.
ويصبح الإمام في هذه اللحظة قائدًا روحيًا، يحمل همّ الناس في دعائه، ويعكس آمالهم وآلامهم في قنوت خاشع يهز القلوب.
ولا يمكن إغفال دور المؤسسات الدينية في إعداد هؤلاء الأئمة، وعلى رأسها وزارة الأوقاف المصرية والأزهر الشريف، حيث يتم اختيار الأئمة وفق معايير دقيقة تجمع بين حفظ القرآن، وإتقان أحكامه، وحسن السيرة، والقدرة على التأثير الإيجابي.
فالتراويح في مساجد مصر الكبرى ليست شأنًا عابرًا، بل مسؤولية وطنية وروحية.
إن نجوم دولة التلاوة في صلاة التراويح هم الامتداد الطبيعي لعمالقة الأمس، وهم الجسر الذي يصل بين تاريخ عريق وحاضر متجدد.
وإذا كانت أصوات الأمس قد عبرت الأثير عبر الإذاعة، فإن أصوات اليوم تعبر كذلك عبر المنصات الحديثة، لتصل إلى بيوت المصريين في الداخل والخارج، مؤكدة أن مصر ستظل، بإذن الله، منارة للتلاوة وموطنًا لأهل القرآن.
وهكذا، تبقى ليالي التراويح في مساجد مصر الكبرى شاهدًا حيًا على أن دولة التلاوة لم تغب، بل تتجدد في كل رمضان، بأصوات أئمة حملوا الأمانة، فحفظوا للقرآن جلاله، وللمحراب هيبته، وللمصلين خشوعهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك