منذ ترحيله من إيطاليا في شهر إبريل/نيسان الماضي، لا يغادر التونسي بلال الجمالي (29 سنة) منزل عائلته في منطقة الجبل الأحمر الشعبية تفادياً لمقابلة أحد أبناء حيه أو معارفه، لكونه سيضطر إلى تبرير أسباب ترحيله بعد أن زفت أسرته لكافة سكان الحي خبر وصوله سالما إلى سواحل لامبيدوزا في رحلة هجرة غير نظامية كلفته أكثر من 2500 دولار.
وتعد الهجرة السرية مغامرة محفوفة بالمخاطر بالنسبة للآلاف من أبناء الأحياء الشعبية، وغالباً ما تتحول في حال الترحيل القسري إلى عبء نفسي واجتماعي ثقيل يلازمهم عند عودتهم إلى بلادهم، وإلى جانب الخسائر المادية والانكسار النفسي، يواجه المرحّلون شكلاً قاسياً من الوصم الاجتماعي يجعل اندماجهم مجدداً في محيطهم مهمة شبه مستحيلة.
ويقول الجمالي لـ" العربي الجديد"، أنه يشعر بالخجل الشديد إلى حد الإحساس بالعار من كونه عاد إلى تونس مرحلاً بينما كسب العديد من أبناء منطقته رهان الهجرة، وتمكنوا من بدء حياة جديدة في الضفة الشمالية للمتوسط.
ويؤكد أن الوصم في الأحياء الشعبية يلاحق المخفقين في تجربة الهجرة السرية، حتى إنه يطاول أسرته أيضاً.
ويضيف: " يقترن النجاح بالهجرة في أحياء تونس الفقيرة بالقدرة على التحدي، ما يجعلني لا أستطيع تحمل نظرة الشفقة في عيون أصدقائي أو رواد المقهى الذي كنت أقضى فيه فترات طويلة من اليوم.
لم أخسر المال فقط، بل خسرت نظرة الناس لي، إذ أصبح اسمي مرتبطاً بالفشل، وكأنني ارتكبت جريمة، حتى أنني صرت أتمنى لو مت غرقا في البحر".
ويتابع الجمالي: " في الأحياء الشعبية، حيث تُغذّي البطالة وندرة الفرص حلم الهجرة، غالباً ما يُنظر إلى الهجرة باعتبارها المخرج الوحيد من التهميش، وعودة الشاب مرحّلاً تُقابل أحياناً بنظرة لوم أو سخرية، ويُختزل الإخفاق في كونه عجزاً شخصياً، لا نتيجة سياسات هجرة صارمة تدفع به قسراً نحو أول طائرة ترحيل مكبل اليدين".
وخلال السنوات الأخيرة، وسعت دول أوروبية عمليات الترحيل القسري للمهاجرين التونسيين، وسُجلت عمليات إعادة مكثفة لمهاجرين أوروبيين من فرنسا وألمانيا، بينما تستمر إيطاليا في تنفيذ خطة الترحيل عبر الرحلات الجوية التي تصل إلى مطارات تونس أسبوعياً.
وعلى مدار الأشهر الماضية، أعلنت جمعيات مدنية تونسية داعمة لحقوق المهاجرين ارتفاع أعداد المهاجرين المرحلين من دول أوروبية، مطالبة السلطات بالكشف عن بنود اتفاقية الهجرة التي وقعتها مع الاتحاد الأوروبي في يوليو/ تموز 2023، والتي أدت إلى فسح المجال أمام انتهاك حقوق المهاجرين وترحيلهم قسراً.
ومع تزايد أعداد المرحلين، يطالب فاعلون مدنيون بضرورة تغيير الخطاب السائد حول الهجرة، والانتقال من منطق الإدانة الأخلاقية إلى مقاربة حقوقية وإنسانية تعترف بأن الإخفاق ليس نهاية الطريق، وأن المرحّلين ضحايا اختلالات أعمق من قدرتهم الفردية على الاحتمال.
ويرصد مختصون في علم الاجتماع وعلم النفس ارتفاعاً في حالات الاكتئاب والقلق، وفقدان الثقة بالنفس لدى بعض المرحّلين، نتيجة تلاقي الصدمة مع الإقصاء الاجتماعي.
يقول الباحث في علم الاجتماع محمد الجويلي إن" مشروع الهجرة عموماً هو مشروع أسري يتطلب مستويات ضمان عالية، واجتيازه ينظر إليه على أنه عنوان نجاح وقدرة على تخطي الصعاب.
ويوضح لـ" العربي الجديد"، أن" الهجرة السرية تجربة محفوفة بانعدام اليقين من كل الجوانب، وتتطلب قدرة أكبر على إثبات جدارة النجاح، ما يعرّض المخفقين فيها للوصم، لا سيما في المجتمعات المحلية الصغيرة التي تعتبر الهجرة سبيلاً للخلاص من البطالة والبؤس".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك