يعد الشيخ محمد بودينار أحد الوجوه الدعوية والتربوية البارزة بمنطقة تيسمسيلت، حيث جمع في مسيرته بين التعليم النظامي، والعمل الشباني، والتأطير الديني، قبل أن يؤسس زاوية تحولت إلى قطب علمي وروحي يستقطب الطلبة من داخل الوطن وخارجه.
ولد الشيخ سنة 1950 بمنطقة الونشريس في أسرة محافظة غرست فيه حب القرآن والعلم منذ الصغر، فالتحق بالمدرسة القرآنية سنة 1955، وتتلمذ على يد الشيخ أحمد شاهد بقرية السواعد، حيث حفظ جزءًا من القرآن الكريم، قبل أن ينتقل إلى بلدية بوقايد لإتمام الحفظ.
غير أن ظروف الثورة التحريرية أثرت في مساره، فتوقف سنة 1959 عن مواصلة الحفظ بعد اعتقال والده من طرف الاستعمار الفرنسي، ليعود بعد الاستقلال إلى استئناف دراسته على يد الشيخ سي الحاج عبد القادر كامل، متعمقا في علوم النحو والفقه والتوحيد إلى غاية سنة 1967.
وانتقل بعدها إلى ولاية الشلف، حيث تتلمذ على يد الشيخ سي محمد بوناقة وتعلم فن التجويد، كما درس الفقه على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية على يد الشيخ قدور بن العباد المجاجي، قبل أن يبلغ المستوى النهائي الذي أهله لاجتياز مسابقة الدخول إلى المعهد التكنولوجي بـخميس مليانة بولاية عين الدفلى.
وفي سنة 1973، تخرج الشيخ محمد بودينار معلما، والتحق مباشرة بسلك التدريس، وهي المهنة التي ظل يمارسها إلى غاية إحالته على التقاعد، غير أن نشاطه لم يقتصر على القسم الدراسي، بل شمل العمل الشباني والسياسي في إطار الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية، حيث تولى سنة 1980 مسؤولية الاتحاد ببلدية برج بونعامة، ثم أصبح سنة 1981 عضوا في الأمانة الولائية للشبيبة.
كما كان عنصرا نشطا في العمل التطوعي والرياضي، إذ أشرف على الاتحاد الرياضي ببرج بونعامة لأكثر من سبع سنوات، في تجربة جسدت روح المبادرة والعمل الجماعي.
وفي محطة أخرى من مساره، سافر إلى ليبيا على رأس وفد من الشبيبة الجزائرية بعد احتلاله المرتبة الأولى في مبيعات جريدة “الوحدة” لسان حال الاتحاد، وهي تجربة عززت احتكاكه بالإعلام، خاصة وأنه اشتغل مراسلا صحفيًا مع يوميتي الشعب والمجاهد، ما مكنه من صقل لغته وتوسيع معارفه.
ورغم تعدد انشغالاته التربوية والشبابية، ظل الهاجس الديني حاضرًا بقوة في مسيرته، متأثرا بوصية شيخه قدور بن العباد المجاجي، الذي كان يردد لتلامذته: “درستم من أجل الآخرة وليس من أجل الدنيا”، وهي القناعة التي دفعته إلى تجسيد مشروع ديني ميداني.
وفي 02 أوت 1982، أسس جمعية زاوية سيدي علي الحاج، واضعا حجر الأساس لبناء مسجد الزاوية على الطريق الوطني رقم 19، في شطره الرابط بين بلديتي برج بونعامة وبوقايد، بعد أن أخذ الإذن الروحي من الزاوية العدوية الشاذلية المنتسبة إلى الشيخ سيدي عدة أبي الحسن الشاذلي.
ومع مرور السنوات، تحولت الزاوية إلى قطب ديني وإشعاع فكري، يؤمه الطلبة من داخل الوطن وخارجه، ويشرف على تأطيرهم طاقم من الأئمة والمشايخ في دروس الفقه والتوحيد وتحفيظ القرآن الكريم، حيث تخرج منها أكثر من 700 حافظ لكتاب الله.
وبين الأمس واليوم، يواصل الشيخ محمد بودينار أداء رسالته في هدوء، مؤمنا بأن الاستثمار الحقيقي في الإنسان، وأن بناء العقول لا يقل شأنا عن تشييد الجدران.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك