يأتي شهر رمضان في ذاكرة المسلمين باعتباره شهرا للعبادة وتزكية الأنفس والعودة الصادقة إلى الله تعالى، حيث يحمل هذا الشهر عودة المسلمين نحو دينهم عاملين ومتعبدين، متوجهين إلى كتاب الله سبحانه وتعالى قراءة وتدبرا.
إلا أن التأمل في تاريخهم الرمضاني المليء بالانتصارات، وبذل الجهود، والعمل الدؤوب في مختلف القضايا التي تهم المسلمين في الدين والسياسة والاقتصاد والفتوحات وغيرها، قد يتجاوز معاني التعبد الفردي إلى أفق أوسع من العمل والجهاد والبناء الحضاري.
ففي هذا الشهر المبارك تجلت لدى المسلمين على مر التاريخ معاني الصبر والثبات، وظهرت صور العزيمة والإيمان التي صنعت تحولات كبرى في مسار الأمة الإسلامية.
ولم يكن رمضان شهر كسل أو نوم أو خمول، بل كان في الكثير من محطات التاريخ شهر حسم ونصر وتغيير للقواعد، وإعادة رسم للملامح في الواقع السياسي والعسكري والحضاري للمسلمين.
ونحن في هذه العجالة نستعرض هذه الصفحات المشرقة ليس بهدف الدفع نحو استعادة ماضينا المشرق وحسب، بل قراءة في سنن النصر، وربط للعبادة القولية بالعمل، والإيمان القلبي بالفعل، عبر استحضار محطات من مسيرة أمتنا الإسلامية عبر تاريخها.
مع الوهلة الأولى لفرض الصيام شهد أول رمضان فرض على المسلمين أولى وأهم المعارك بتاريخ المسلمين عموما، وهي معركة بدر الكبرى.
ورغم أنها شهدت تفاوتا كبيرا في حجم العدد والعدة والعتاد بين المسلمين والمشركين، إلا أن المسلمين لجؤوا لربهم داعين بعد استفراغ جهدهم وبذلهم الأسباب فنصرهم الله وأيدهم.
وكشف هذا النصر عن قوة المسلمين الحقيقية وهم في البداية الأولى لإنشاء دولتهم، دولة الإسلام.
في رمضان من السنة الثامنة للهجرة فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة، وذلك عقب نقض كفار قريش لصلح الحديبية، حيث غادر الجيش الإسلامي المدينة المنورة متوجها إلى مكة في عشرة آلاف من الصحابة.
وكان من أهم نتائج هذه المعركة أن المسلمين توسعوا جغرافيا وباتوا يسيطرون على أجزاء كبيرة من المنطقة بين مكة والمدينة، وهي منطقة عبور قوافل قريش التي أصبح من الصعب على قريش تسيير قوافلها بطمأنينة وراحة.
وكان هذا التوسع يصب في صالح الدعوة الإسلامية الوليدة وكذلك دولة الإسلام التي بدأت تتشكل وتتأسس في المدينة المنورة.
بالإضافة إلى أن سمعة قريش كقبيلة قوية ومرجعية لقبائل العرب قد تضررت كثيرا، وبات العرب يدركون أن هناك قوة أخرى قادمة وبقوة، وهي قوة المسلمين الذين أخرجتهم قريش مطاردين نحو يثرب.
وفي رمضان من السنة الثامنة للهجرة فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة، وذلك عقب نقض كفار قريش لصلح الحديبية، حيث غادر الجيش الإسلامي المدينة المنورة متوجها إلى مكة في عشرة آلاف من الصحابة يقودهم النبي صلى الله عليه وسلم.
ولما أدرك أهل مكة أنهم غير قادرين على مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم وجيشه أعلنوا دخولهم في أمانه.
ودخلها صلى الله عليه وسلم متواضعا تكاد لحيته أن تمس ظهر راحلته، ثم دخل المسجد الحرام والصحابة معه، فأقبل على الحجر الأسود فاستلمه.
وكان حينها حول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بقوس في يده ويكسرها وهو يقول ويتلو قول الله عز وجل: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ [الإسراء: 81]، وقول الله تعالى: ﴿قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد﴾ [سبأ: 49].
وكان هذا الفتح تتويجا لسنوات من الصبر احتملها صحابة رسول الله، وقد أخرجوا من ديارهم وسلبت أموالهم وصودرت منازلهم وأراضيهم.
وهو أيضا تطبيق عملي لفتح الرحمة وإحياء الأنفس حين قال لهم عليه الصلاة والسلام: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
كما مثل هذا الفتح الانتقال بالإسلام ودعوته من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الدولة بأسلوب نبوي عظيم بدأه صلى الله عليه وسلم بفتح القلوب قبل فتح المدن والقلاع والحصون.
في رمضان من العام 92 للهجرة فتح القائد المسلم طارق بن زياد الأندلس، حيث بدأت المعركة الفاصلة في 28 من رمضان، وخاض المسلمون حربا ضروسا استمرت ستة أيام.
ورغم قلة عدد المسلمين وعتادهم فقد كتب الله لهم النصر، وبعد ذلك بدأ عصر الإسلام في الأندلس الذي شهد واحدة من أعظم الحضارات الإسلامية أو الحضارات عموما في التاريخ، حيث استمر الحكم الإسلامي في الأندلس زهاء ثمانية قرون.
وفي رمضان من العام 658 للهجرة بدأت معركة عين جالوت بين جيش المسلمين بقيادة قطز وبين جيش المغول.
بدأت المعركة بتفوق جنود المغول، لكن لم يلبث هذا التفوق أن تحول إلى هزيمة بعد ثبات جيش المسلمين وفي مقدمتهم قائد الجيش قطز.
وخارت قوى المغول وانهارت عزائمهم ولاذوا بالفرار عقب رؤية قائدهم مقتولا، ومني المغول بهزيمة ساحقة.
المتأمل في هذه الانتصارات التي تحققت في شهر رمضان يدرك بجلاء حقيقة هامة مفادها أن قوة أمة الإسلام لم تركن يوما إلى عدد أو عتاد، بقدر ما كانت قائمة على صدق الإيمان، ووحدة الصف، وحسن الإعداد.
وكانت هذه المعركة واحدة من أهم المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي، حيث كانت المعركة الأولى التي تلقى فيها المغول هزيمة ساحقة أوقفت تمددهم وغرورهم، وأنقذت ما تبقى من بلاد المسلمين في الشام وغرب آسيا من الاجتياح المغولي، وكانت بداية التوحيد للعالم الإسلامي تحت راية الدولة المملوكية، واستمرت على هذا النحو لأكثر من 270 عاما.
وفي العاشر من رمضان من العام 1393 للهجرة تمكنت القوات المصرية من عبور قناة السويس التي كانت توصف بأنها أصعب مانع مائي في العالم، وتحطيم أكبر ساتر ترابي والذي عرف بخط بارليف، الذي كان جبلا من الرمال والأتربة يمتد لحوالي 160 كلم.
وتمكن المصريون حينها من استرداد قناة السويس، واعتبر هذا الانتصار كواحد من أعظم الانتصارات للعرب والمسلمين في العصر الحديث على إسرائيل، شفى الله به صدور قوم مؤمنين.
وما كان ذلك ليحدث لولا إيمان المؤمنين بأن شهر رمضان شهر عمل وجهاد وكفاح، وعيشهم هذا أيضا واقعا عمليا منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يقضي جل وقته في المسجد، يقضي حوائج الناس ويرد على أسئلتهم ويحكم بين المتخاصمين بينهم.
وإن المتأمل في هذه الانتصارات التي تحققت في شهر رمضان يدرك بجلاء حقيقة هامة مفادها أن قوة أمة الإسلام لم تركن يوما إلى عدد أو عتاد، بقدر ما كانت قائمة على صدق الإيمان، ووحدة الصف، وحسن الإعداد، والثبات عند الشدائد، والإقبال على الله قبل ذلك وبعده.
وقد مثل رمضان بيئة روحية صنعت رجالا قادرين على تحويل التحديات إلى فرص، والهزائم المتوقعة إلى انتصارات كبيرة وفاصلة.
وإن استلهام هذه المعاني اليوم ينبغي أن يكون نورا وهداية وبصيرة للأجيال المسلمة اليوم لإعادة بناء وعيهم، وإدراكهم لحجم المسؤولية الملقاة على عواتقهم تجاه أمتهم وأوطانهم، وليكون هذا الشهر الكريم مبعث إيمان وتجديد واستنهاض الهمم، واقتداء بسلف الأمة رضوان الله عليهم، وتطبيق سيرتهم العطرة وأسلوب حياتهم الرمضانية في حياتنا، وليعود رمضان كما كان شهر عبادة ونصر وتحولات تصنعها أمة الإسلام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك