في منتصف سبعينيات القرن العشرين، كان الفريق محمد حسني مبارك، بلغ ذروة مسيرته العسكرية قائدًا للقوات الجوية المصرية، بعد أكثر من خمسة وعشرين عامًا قضاها داخل المؤسسة العسكرية، منذ تخرجه في الكلية الجوية عام 1950.
كان « مبارك» رجلًا عسكريًا بالدرجة الأولى، ولم يكن اسمه مطروحًا في المجال السياسي، ولا داخل الدوائر السياسية كرجل دولة قادم إلى الصف الأول، يقضي أيامه بين مواقع القيادة العسكرية والتدريب، بعد مسيرة طويلة، وتوّجت بدوره في حرب أكتوبر 1973.
في أعقاب حرب أكتوبر دار حديث بينه وبين الرئيس الراحل محمد أنور السادات، عن المستقبل وما يُخطط له بعد انتهاء خدمته في القوات المسلحة؟ ! لم يتعامل مبارك مع السؤال باعتباره مقدمة لقرار سياسي، بل أجاب بما كان يراه أقرب إلى طبيعته وتكوينه.
سأله السادات: «عاوز تبقى إيه؟ » فأجاب مبارك: «أبقى رئيس شركة مصر للطيران»، وأنه كان يحلم بأن يكون سفيرًا في لندن، فلم يتوقع اختياره ولم يكن يطمح لأي منصب سياسي.
قال «مبارك» إنه لا يطمح إلى العمل السياسي، ولا يرى نفسه في موقع من مواقع السلطة المدنية، مؤكدًا أن أقصى ما يمكن أن يتمناه بعد أن ينهي خدمته العسكرية، هو أن يواصل خدمة بلده في موقع دبلوماسي.
وأضاف، كما روى لاحقًا، أن أقصى طموحه كان أن يُعيَّن يومًا ما سفيرًا لمصر في العاصمة البريطانية لندن.
كانت هذه الإجابة، كما وصفها فيما بعد في لقاءات تليفزيونية، تعبيرًا صادقًا عن تفكيره في ذلك الوقت.
فقد كان يرى نفسه ضابطًا محترفًا، أدى دوره العسكري، ويمكن أن يختتم خدمته العامة في موقع دبلوماسي هادئ، بعيدًا عن صخب السياسة وتعقيداتها.
لم يكن يتصور أن هذا الحديث سيأتي قبل تحول كبير في مسار حياته.
بعد فترة قصيرة من ذلك اللقاء، في يوم خميس من شهر إبريل عام 1975، أرسل «السادات» الفريق محمد عبد الغني الجمسي، إلى منزل «مبارك» بالحضور على استراحة الرئيس في القناطر الخيرية في تمام الساعة السادسة، وقتها كان معزومًا بالخارج فأخبر زوجته السيدة سوزان ثابت، أنه لن يتأخر أكثر من ساعتين، متوقعًا أن يكون اللقاء للحديث عن القوات الجوية باعتبار قائدًا لها آنذاك.
وصل «مبارك» عند السادسة مساءً، وجلس في البلكونة بالدور العلوي، يستمع بمفرده للرئيس وهو يحكي عن تاريخه، عن الثورة، وعن أيام الرئيس جمال عبد الناصر، مستعرضًا قصصًا طويلة لم يكن هناك غير مبارك يستمع إليها.
وبحلول الساعة الثامنة والنصف، جاء وقت العشاء، وظلت المقدمات تدور حول الثورة وأيام عبدالناصر وكيف كانت تسير الأمور، قبل أن يبدأ الرئيس بالحديث عن منصب نائب رئيس الجمهورية.
يروي «مبارك» في لقاء مع عماد الدين أديب، عن هذه المقابلة، وأن خيارات ذهبت إلى الفريق أحمد إسماعيل، والفريق محمد الجمسي، والفريق محمد علي فهمي، لكن لم يخطر على باله أحد حتى قال فجأة: «فاضل أمامي أنت، أنا اخترتك لمنصب نائب الرئيس».
قال مبارك في لقاءه التليفزيوني: " كنت أقول إن حياتي كلها حروب، قلما أذهب للبيت، أغلب حياتي قضيتها في الوحدات، وكنت أفكر أنه بعد سنة ممكن أكون سفيرًا في بلد مريح سفير مصر في لندن على أقصى تقدير، وأعيش شوية بعد أن أصل إلى سن المعاش، أقصى شيء أفكر فيه هو استراحة بعد مجهود ضخم، وثكنات عسكرية ورمال، وأريد أن أجلس مع العائلة، ولكن بعد ذلك حدث ما حدث».
تحول لقاء «مبارك» بالسادات إلى لحظة تاريخية، جعلت قائدًا عسكريًا لم يكن يطمح لأي منصب سياسي، يتحول فجأة إلى الرجل الثاني في الدولة، ومنه إلى رئاسة الجمهورية بعد ست سنوات.
في أبريل 1975، صدر القرار الجمهوري رسميًا بتعيين حسني مبارك نائبًا لرئيس الجمهورية، لينتقل بذلك من موقع القيادة العسكرية إلى موقع المسؤولية السياسية.
كان انتقالًا مفصليًا في حياته، أنهى به مسيرته داخل القوات المسلحة، وبدأ مرحلة جديدة داخل مؤسسة الرئاسة، حيث أصبح الرجل الثاني في الدولة.
ظل «مبارك» في منصبه نائبًا للرئيس لمدة ست سنوات، حتى جاء يوم السادس من أكتوبر عام 1981، عندما اغتيل الرئيس أنور السادات خلال العرض العسكري.
وبحكم موقعه كنائب للرئيس، تولى حسني مبارك مسؤولية رئاسة الجمهورية بعد ذلك.
وبقيت عبارته التي قال فيها إن أقصى طموحه كان أن يكون سفيرًا لمصر في لندن واحدة من أبرز ما استعاد به ذكريات تلك المرحلة، بوصفها شهادة شخصية على مفارقة بين ما كان يتمناه لنفسه، وما انتهى إليه مساره السياسي لاحقًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك