منذ الأبيض والأسود وحتى منصات البث الحديثة، لم تغب الحماة المزعجة عن الشاشة العربية، تتبدل الوجوه وتتغير اللهجات، لكن الدور واحد بين سيدة تدخل كل بيت بلا استئذان درامي، وتملك رأياً في كل شيء، من تربية الأحفاد إلى نوع الملح في الطبخ.
شخصية تحولت مع الزمن إلى أيقونة كوميدية جاهزة، يضحك المشاهد من مبالغتها، لكنه يبتسم وهو يدرك أن وراء الضحك نسخة مألوفة من واقع يعرفه جيداً.
بين الكوميديا والمبالغة، استقرت الحماة، لا بوصفها امرأة سيئة بالضرورة، بل بوصفها" ترنداً درامياً" ناجحاً، يعاد تدويره جيلاً بعد جيل، لأن الجمهور ما زال يضحك ويتعرف عليها بسرعة.
ضمن أعمال رمضان 2026، يحضر مسلسل بطولة الحماة كامتداد لتجربة كوميدية انطلقت العام الماضي مع الجزء الأول من" يوميات رجل عانس"، الذي رصد رحلة شاب يبحث عن زوجة إرضاء لرغبة والدته، قبل أن تتطور الحكاية هذا الموسم إلى مرحلة جديدة بعنوان" يوميات رجل متزوج"، إذ يدخل البطل عالم الزواج بكل ما يحمله من مفارقات يومية.
العمل، المعروض في وقت المغرب بالسعودية، يقدم يوميات ساخرة للعلاقة بين الزوجة ووالدة الزوج، ويطرح مواقف اجتماعية بروح خفيفة تمزج الكوميديا بالواقع، مستهدفاً جمهور الأسرة الخليجية الباحث عن جرعة ضحك بسيطة بعد الإفطار.
وفي حوار خاص مع الممثلة فاطمة الشريف، تحدثت عن كواليس تجسيد شخصية الحماة، كاشفة عن أن سر نجاحها في تقديم صورة الأم النجدية يعود بالدرجة الأولى للصدق في الأداء، إذ تؤكد أنها لم تتعامل مع الدور بوصفه تمثيلاً لشخصية نمطية، بل حاولت أن تعيشها بكل تفاصيلها الصغيرة، بهدوئها، بعصبيتها، بكبريائها، وبحبها الخاص لابنها.
وتكشف فاطمة الشريف عن أنها تلقت كماً كبيراً من القصص الحقيقية من متابعين عاشوا تجارب قريبة من قصة لطيفة، مشيرة إلى أن خلفيتها المهنية كاختصاصية اجتماعية، وحصولها على ماجستير في الخدمة الاجتماعية ودبلوم عال في الإرشاد النفسي، إضافة إلى عملها في عيادة نفسية بمستشفى حكومي، جعلتها على تماس مباشر مع هذا النوع من الحالات، إلى جانب ما تسمعه من محيطها القريب من صديقات وأقارب وجيران، مؤكدة أن القصص كثيرة ومتنوعة وكل شخص يرويها من زاويته الخاصة.
وعن تحضيرها للدور، توضح أنها لا تعتمد على استحضار مواقف من الماضي بقدر ما تعيش المشهد نفسه أثناء التصوير، لافتة إلى أن بعض المشاهد المقبلة كانت مشحونة بمشاعر حقيقية، مثل لحظة وداع الابن وانتقاله للعيش في بيته مع زوجته، إذ وجدت نفسها تبكي تلقائياً من دون أن يطلب منها ذلك، لأنها عاشت الإحساس كاملاً وتخيلت فقدان وجود الابن اليومي بعد الاعتياد عليه، مما جعل الدموع والإحساس يخرجان بعفوية وصدق.
وعن قراءتها لشخصية لطيفة في النص، تؤكد فاطمة الشريف أنها لم ترها يوماً شخصية شريرة، بل أماً تحب ابنها حباً مطلقاً لا ترى العالم إلا من خلاله، وتتصرف على هذا الأساس.
وتوضح أن لطيفة لا تتعمد الإساءة إلى أحد، ولا تحمل نوايا عدوانية تجاه زوجة ابنها، مشيرة إلى أن الحلقات المقبلة ستكشف عن جانب أوضح من طبيعتها، من دون الدخول في تفاصيل قد تفسد عنصر المفاجأة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).
وتلفت الممثلة السعودية إلى أن طريقة تعبير لطيفة عن حبها قد تبدو لبعضهم قاسية أو متسلطة، لكنها في جوهرها انعكاس لمشاعر أمومية صادقة، تظهر في مواقف بسيطة مثل الزعل حين لا يجلس ابنها معها أو لا يشاركها تفاصيل يومه.
وترى أن الشخصية تحمل قدراً من حب التملك، وهو أمر شائع لدى كثير من الأمهات، لكنه لا يصل إلى حد الإيذاء أو الإساءة، مؤكدة أن لطيفة نقية وتلقائية وعفوية، لكنها في الوقت ذاته امرأة قوية اعتادت السيطرة، خصوصاً في علاقتها بابنها.
أما الصفة الأكثر واقعية في شخصية الحماة، فتعتبرها فاطمة الشريف" حب التملك"، موضحة أن هذه السمة موجودة بدرجات متفاوتة في معظم البيوت، إذ يشعر كثير من الأمهات، عن قصد أو غير قصد، بأن أبناءهن امتداد لهن وملكية خاصة.
وتشير إلى أن هذا السلوك غالباً ما يمارس باسم الحب، على رغم أنه في حقيقته خلط بين الرعاية والسيطرة، مؤكدة أن العمل يحاول تقديم هذه الفكرة بطرق واقعية ومتعددة، تعكس اختلاف وعي الأمهات وخبراتهن وثقافتهن، مع التشديد على أن الأم مهما بلغ حبها لأبنائها، لا يحق لها امتلاك قراراتهم أو التحكم الكامل في حياتهم.
وتضيف أن لطيفة ليست أماً مثالية، فهي تفرق بين الأبناء وتقصر في حق بناتها، ومع ذلك فوجئت بأن نسبة من أحبوا الشخصية كانت أكبر من الرافضين لها، مرجعة ذلك إلى أن لطيفة تشبه كثيراً من الأمهات الموجودات في محيطنا، فحتى حين يرفض الناس تصرفات الأم، يبقى الحب لها قائماً، بينما يرفض السلوك لا الشخص.
وأكدت فيها حديثها أنها خلال الأداء لا تسعى إلى تبرير تصرفات لطيفة ولا إلى إدانتها، بل تحاول فهم الشخصية وترجمتها كما هي، بإيجابياتها وسلبياتها.
وتشير إلى أنها تقدم الحالة كاملة من دون أحكام مسبقة، تاركة للمشاهد حرية تكوين رأيه الخاص، سواء برؤية لطيفة كشخصية شريرة أم باعتبار تصرفاتها نابعة من دوافع إنسانية مفهومة.
وتقول الممثلة الموهوبة إلى أن ردود الفعل على شخصية لطيفة في الموسم الأول كانت لافتة، إذ انقسم الجمهور بين من أحب الشخصية ومن التمس لها الأعذار، على رغم وضوح أخطائها، موضحة أن الحكم على الموسم الثاني ما زال مبكراً لعدم ظهور كل تطورات الأحداث بعد.
وتوضح أن انتقالها من شخصية الأم التي تبحث عن زوجة لابنها في الجزء الأول إلى شخصية الحماة في الموسم الثاني كان قائماً على اختلاف الدوافع أكثر من اختلاف الشكل، ففي البداية كانت تتحرك بدافع الحب والخوف على مستقبل ابنها وأن يفوته قطار الزواج، أو ألا تلحق رؤية أحفاده، بينما أصبحت في الموسم الجديد مدفوعة بمزيج من الحب والتملك أحياناً، وهو تحول نفسي انعكس على أدائها.
إلا أنها ترى أن الجزء الأول شكل لها مفاجأة جميلة من حيث التفاعل وأصداء العمل، في حين حمل الجزء الثاني مسؤولية أكبر وتحدياً مختلفاً أحبته كثيراً، مؤكدة أنها لا تفضل أحدهما على الآخر وتعتبرهما تجربتين متكاملتين.
إلا أنها أكدت عن تجربتها الشخصية مع التمثيل بوصفها رحلة غير متوقعة، إذ تؤكد أنها كانت بعيدة تماماً من هذا المجال ولم تفكر يوماً في أن تصبح ممثلة، قبل أن تكتشف بالمصادفة أن التمثيل منحها مساحة للعودة لذاتها.
وتصفه بأنه ليس مجرد وظيفة أو هواية، بل تجربة عرفتها على نفسها بصورة أعمق، وسمحت لها بأن تعيش حيوات مختلفة وتختبر مشاعر لم تعشها في الواقع.
وتضيف أن التمثيل أتاح لها تفريغ مشاعر لم تكن تعرف كيف تواجهها، وأحياناً شعرت وكأنه نوع من العلاج أو خطة شفاء لأشياء داخلها، وأحياناً أخرى كان باباً لاكتشاف أحاسيس جديدة لم تختبرها من قبل، مؤكدة أنها أحبته لأنه لم يكن خياراً مخططاً له، بل قدراً جميلاً كتبه الله لها في الوقت المناسب.
وتوجه الاختصاصية الاجتماعية فاطمة الشريف رسالة للحموات تقول فيها إن الابن لم يأخذه أحد منهن، بل كبر فقط، وإن الحب الحقيقي لا يقاس بالسيطرة أو التملك، بل بالقدرة على منحه الحرية وهو مطمئن إلى ثبات مكانته في قلب أمه.
وتضيف أن حب الابن لزوجته لا يعني أن مكانة الأم تقل أو ينتقص منها، فالمحبة لا تقسم ولا يزاحم فيها أحد أحداً، داعية الحماة إلى تذكر أنهن كن يوماً زوجات أيضاً، وأن احتواء زوجة الابن لا ينقص من القدر أو الهيبة، بل يرفعهما في عين الابن قبل أي أحد.
وفي رسالتها للزوجات، ترى الشريف أن الذكاء لا يكمن في المواجهة الدائمة أو فرض الشخصية بالصوت العالي، بل في الاحتواء العاطفي، والتعامل بهدوء، ودراسة المواقف قبل اتخاذ أي رد فعل، لأن الحلول الهادئة غالباً تكون أذكى وأنجح من الصدام المستمر.
وتنهي الحوار بالقول إن الصراع بين الحماة والزوجة قديم ومتجدد، وسيظل موجوداً لأنه في جوهره صراع أدوار، إذ اعتادت الأم أن تكون الأولى في حياة ابنها، ثم تأتي الزوجة لتأخذ مكاناً أو جزءاً من هذا المكان، فتشعر الأم بأن أهميتها التي كانت كاملة أصبحت موزعة، مما يدفع بعض الأمهات إلى محاولة المقاومة واستعادة موقعهن السابق.
وتؤكد أن هذا الانتقال طبيعي في مسار الحياة، ولا يعني إلغاء دور الأم أو الانتقاص من مكانتها، مشددة على أن الوعي في التعامل مع هذا التحول هو الفيصل في أن يبقى الصراع مدمراً أو يتحول إلى علاقة أكثر توازناً وتفهماً.
مسلسل" يوميات رجل متزوج" من تأليف نواف المهنا، وبطولة إبراهيم الحجاج، وآيدا القصي، وفاطمة الشريف، وسعيد صالح، وريم صفية، ومحمد القحطاني، وفتون الجار الله، وحكيم جمعة، وفيصل الدوخي، ونواف الشبيلي، وإخراج عبدالرحمن السلمان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك