لم يعد موسم رمضان مجرد سباق نسب مشاهدة، بل صار مرآة دقيقة لتحولات المجتمع، ومختبراً مفتوحاً لاختبار علاقة الدراما بالواقع، وبالمنصات، وبالوعى العام فموسم 2026 تحديداً يقدّم حالة درامية ثرية، لا يمكن اختزالها فى ثنائية «الناجح والفاشل»، بل يجب قراءتها بوصفها موسماً انتقالياً يعيد ترتيب أولويات الصناعة من النجم الأوحد إلى البطولة الجماعية، من الميلودراما السهلة إلى التشابك السياسى والاجتماعى، ومن الشاشة التقليدية إلى منطق المنصة مع الشاشة.
الملامح موسم 2026 تؤشر إلى تحولات مهمة فى خريطة الدراما، حيث تزايد الاعتماد على الواقع والقصص المستوحاة من أحداث حقيقية، ما يعكس رغبة واضحة لجذب اهتمام المشاهد عبر موضوعات تمس الواقع الاجتماعى والسياسى والتدرج بين قصص وطنية تشويقية (مثل «رأس الأفعى») وأعمال إنسانية عميقة (مثل «صحاب الأرض»)، يعزز من تنوع التجربة الدرامية وظهور أسماء عربية متعددة فى الإنتاجات المصرية، وهو مؤشر على سعى الموسم إلى توسيع نطاق الجمهور فى المنطقة والطاقة الإنتاجية لدراما الـ30 حلقة لم تعد تقتصر على الأكشن والتشويق فقط، بل تمتد لتشمل الدراما الاجتماعية والكوميديا والرومانسية، من شأنها أن تُلبى مختلف أذواق المشاهدين ليظل النجاح هنا مرتبطاً بمدى قدرة الأعمال على تقديم نصوص متماسكة وأداء قوى من أبطالها، وما إذا كانت قادرة على إحداث صدى حقيقى فى وعى الجمهور بعيداً عن مجرد المنافسة الرمضانية التقليدية.
لم يعد السؤال فى الموسم الرمضان من ينافس من؟ بل أصبح أى دراما تعكس روح المرحلة؟فالموسم الحالى يكشف عن مشهد درامى متنوع ويحمل فى داخله صراعاً بين التجديد الحقيقى والخوف من تأثير ذلك التجديد على المشاهد أو نسب المشاهدة ومدى تقبل الجمهور لهذا التجديد الذى يواكب التطور فى الأدوات وأيضاً تطور المنافسة، فرمضان لم يعد فقط موسم مشاهدة، بل أصبح اختباراً سنوياً لمدى قدرة الصناعة على قراءة المزاج العام، واستيعاب تحولات الجمهور، خاصة بعد صعود المنصات الرقمية وتغير أنماط الاستهلاك.
الموسم هذا العام يبدو كلوحة فسيفساء، كل قطعة تحمل لوناً مختلفاً، لكن التحدى الحقيقى هو هل هذه القطع تشكل صورة متماسكة؟ أم أننا أمام تنوع شكلى يخفى تشابهاً فى العمق؟عودة الدراما ذات البعد الوطنى بين التوثيق والدراما.
فى صدارة الأعمال التى حققت نسب مشاهدة عالية وجماهيرية أعادت القضية للمشاهد من خلال الدراما وليس نشرات الأخبار أيضاً أثارت نقاشاً واسعاً يأتى من الأعمال التى حملت أبعاداً إنسانية عميقة هذا الموسم، يبرز مسلسل «صحاب الأرض» كعمل درامى مستوحى من الواقع، يتناول الحرب على غزة وقصة حب وصمود تنشأ فى أجواء مأساوية، وتتحول إلى رحلة الكفاح والبقاء، المسلسل من كتابة عمار صبرى وإخراج بيتر ميمى، ويجمع بين موجة من النجوم العرب، أبرزهم منة شلبى فى دور الطبيبة المصرية التى تجد نفسها فى قلب الأحداث، وإياد نصار الذى يقدم شخصية فلسطينية مركبة ومؤثرة إلى جانب كامل الباشا، آدم بكرى، تارا عبود، سارة يوسف، وممثلين من الأردن وفلسطين يضيفون مصداقية وأبعاداً إنسانية لوصف الصراع.
العمل يحاول تقديم دراما ذات بعد سياسى وإنسانى فى آنٍ واحد، مسلطاً الضوء على أثر الحرب على الأفراد والارتباط العميق بين الإنسان وأرضه، وهو ما يجعل «صحاب الأرض» أحد أكثر الأعمال ارتباطاً بالقضايا الراهنة وبتوقعات الجمهور للدراما الواقعية هذا الموسم.
واقع مأساوى فى غزة، حيث الحب والمقاومة والهوية تتشابك داخل سياق إنسانى شديد الحساسية وما يميز «صحاب الأرض» أنه لم يكتفِ برفع شعار سياسى، بل حاول بناء شخصيات لها دوافعها وضعفها وخياراتها الصعبة، فالكاميرا هنا ليست مجرد أداة تسجيل، بل طرف فى الحكاية، ويبقى من أبرز تجارب الموسم جرأةً فى الاقتراب من ملف إقليمى ملتهب.
على الجانب الآخر، يبرز مسلسل «رأس الأفعى» كواحد من أكثر الأعمال جماهيرية وقد يسبق «صحاب الأرض» فى الجدل مع هجوم الجماعة الإرهابية عليه منذ لحظة الإعلان عنه وقبل عرضه وإثارة للجدل والمتابعة، من بطولة النجمين أمير كرارة، شريف منير وماجدة زكى، يقدّم العمل معالجة درامية لصراع أمنى مع تنظيمات متطرفة يقودها ويحركها القيادى الإرهابى محمود عزت عقب ثورة 30 يونيو، فى إطار يجمع بين الأكشن والتحقيق النفسى، وهنا رأس الأفعى ينتمى إلى مدرسة التشويق الوطنى، لكنه حاول هذا العام الابتعاد عن الصورة النمطية للبطل الخارق الشخصية الرئيسية ليست ماكينة قتال، بل إنسان مثقل بالضغوط، يواجه صراعاً داخلياً بقدر ما يواجه خطراً خارجياً، والمثير أن العمل اعتمد على إيقاع سريع يتناسب مع عقلية المنصات، حتى فى عرضه التليفزيونى فلا وقت لمقدمات طويلة وتمهيد بل توثيق وتاريخ سريع لإرهاب الجماع، ة وكيف نشأ الإرهابى عزت، وهذه الاستراتيجية حافظت على التفاعل وحافظت على التمهيد النفسى للشخصيات الثانوية، ويحسب للعمل أنه وسّع دائرة البطولة، فلم يعد النجم وحده محور الصورة، بل تحولت المجموعة إلى شبكة أدوار متكاملة.
الدراما الاجتماعية - الطبقة الوسطى فى مواجهة الانهيار.
شهد الموسم حضوراً قوياً للدراما الاجتماعية التى تلامس هموم الطبقة الوسطى، الضغوط الاقتصادية، وتحولات القيم فلم تعد الأسرة المصرية تُقدَّم بوصفها كتلة صلبة، بل ككيان يتفاوض يومياً مع الواقع.
الكتابة هذا العام بدت أكثر وعياً بالتفاصيل الصغيرة، مثل الإحباط الصامت، القلق من المستقبل، الفجوة بين الأجيال فلم يعد الصراع قائماً على أسرار ضخمة فقط، بل على تراكمات يومية تشبه حياة المشاهد وتناقش همومه.
لكن التحدى كان فى عدد الحلقات، ؤ فبعض الأعمال لم تحتمل «المط» والتطويل إلى ثلاثين حلقة، فتبدومطوّلة أكثر من اللازم، فى زمن أصبح فيه المشاهد معتاداً على الإيقاع المكثف لذلك كان الحل فى إنهاء المسلسل فى 15 حلقة ليحافظ على سرعته وإيقاعه.
الكوميديا فى هذا الموسم انقسمت إلى اتجاهين، الأول يعتمد على النكتة السريعة القابلة للتداول عبر مواقع التواصل، والثانى يحاول استعادة كوميديا الموقف ذات البعد الاجتماعى، والملاحظ أن الأعمال التى راهنت على «الإفيه» اللحظى حققت انتشاراً رقمياً، لكنها لم تترك أثراً عميقاً، أما الكوميديا التى اشتغلت على بناء شخصية ومفارقة ممتدة، فكانت أقل ضجيجاً وأكثر رسوخاً وتأثيراً.
وهنا السؤال الذى يفرض نفسه: هل أصبحت الكوميديا أسيرة خوارزميات المنصات؟ أم لا تزال قادرة على إنتاج ضحك يعيش أطول من موسم؟حضور المرأة من الضحية إلى الفاعل.
موسم 2026 كشف تطوراً ملحوظاً فى كتابة الشخصيات النسائية، حيث خرجت الأدوار النسائية هذا العام من ثنائية «المظلومة» و«المتسلطة»، وذهبت إلى منطقة إنسانية أوسع، وهذا التحول يعكس نضجاً فى الكتابة، لكنه يحتاج إلى استمرارية حتى لا يكون مجرد موجة مؤقتة، ولم تعد المرأة مجرد عنصر مساعد فى رحلة البطل، بل صارت محوراً لصراع مستقل ولها مشاكلها التى تناقشها من خلال عمل متكامل، وهنا يقوم الرجل بالدور المساعد أو تجد المرأة المستقلة فى قرارها مثل منة شلبى فى «صحاب الأرض» هى بطلة ليست ظلاً لرجل، بل صاحبة قرار ومسار، وفى أعمال اجتماعية أخرى رأينا نماذج نسائية تتخذ قرارات صعبة، وتتحمل نتائجها، وهذا التحول يعكس نضجاً فى الكتابة، لكنه يحتاج إلى ترسيخ حتى لا يتحول إلى موجة عابرة.
لكن يبرز هنا سؤال مهم هل المنصات تغيّر قواعد اللعبة؟حتى الأعمال المعروضة حصرياً على التليفزيون صارت بعضها تفكر بعقلية المنصة، ويتمثل ذلك فى المشاهد، افتتاحية صادمة، ونهايات حلقات مفتوحة، وإيقاع بصرى سينمائى.
المبرر هنا قد يكون أن المشاهد لم يعد ينتظر، بل يقرر خلال دقائق أى الأعمال سيتابع، وهذه الحقيقة أعادت صياغة طريقة السرد، ودفعت المخرجين إلى تكثيف الصورة، والاعتماد على مونتاج أسرع، لكن الخطر يكمن فى حرق الأحداث مبكراً إذا لم تكن نهايات الأعمال مؤثرة وقوية.
الواضح هذا الموسم أن النصوص تم بناؤها بشكل احترافى وبنت عالماً متكاملاً، لا مجرد سلسلة أحداث، وكان واضحاً الاستثمار فى الكتابة الجيدة، وما دمنا نعمل على قاعدة أن الجمهورما زال يحتاج منا الكثير فسوف يحدث التقدم خاصة مع ارتفاع سقف توقعات الجمهورفى كل موسم.
البطولة الجماعية…ونهاية عصر النجم الأوحد.
الملاحظ هنا أن أحد أبرز ملامح 2026 هو تراجع فكرة «العمل المفصّل على مقاس نجم»، لصالح البطولة الجماعية لأن الجمهور أصبح أكثر اهتماماً بالقصة من الاسم، وهذا التحول صحى للصناعة، لأنه يعيد الاعتبار للفريق، ويمنح مساحة أكبر للمواهب الجديدة، فالموسم يكشف أن الصناعة تحاول إعادة تموضعها بين ضغط المنصات ومتطلبات الإعلان وحساسية القضايا.
موسم 2026 منحنا مادة ثرية للنقاش، وفتح باباً لإعادة التفكير فى علاقة الدراما بالواقع، وبالوعى، وبالجمهور الذى لم يعد يكتفى بالمشاهدة بل يريد أن يرى نفسه، وهمومه، وأسئلته الكبرى على الشاشة، فمع انطلاق سباق الدراما الرمضانية بدا واضحاً أن الموسم يحتضن تنوعاً واضحاً فى المواضيع والأساليب من الأعمال الإنسانية إلى الأعمال التشويقية الوطنية، مروراً بالدراما الاجتماعية والكوميدية، وهذا الموسم يضع أمام الجمهور خارطة درامية متوازنة بين القصص الواقعية والحكايات الترفيهية، وهنا يحسب للموسم أنه تجاوز الميلودراما التقليدية، فلم تعد الخيانة أو المرض أو الفقر مجرد أدوات للابتزاز العاطفى، بل أصبحت عناصر ضمن بناء واقعى أقرب للسينما الحديثة وبصورة غير مبالغ فيها، ولم يعد «التريند» هو معيار النجاح للعمل والتصوير أكثر سينمائية، الإيقاع أسرع، والمشاهد الافتتاحية مصممة لجذب الانتباه منذ الدقيقة الأولى، وهذا التحول فرض ضغطاً إيجابياً على الصناعة، لكنه فى الوقت نفسه أوجد نوعاً من الصراع على بقاء مفاجأة النهاية، بحيث لا يتم حرق الأحداث مبكراً وأيضاً الحفاظ على التفاعل الرقمى للعمل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك