كشفت صحيفة فايننشال تايمز عن مناقشات داخل مجلس السلام بشأن إنشاء عملة رقمية مشفرة ومستقرة في قطاع غزة، في إطار جهود إعادة تشكيل اقتصاد القطاع المدمر.
في المقابل، حذر مرصد حقوقي من توظيف هذه الخطوة باعتبارها أسلحة إبادة جماعية صامتة.
وتأتي هذه المناقشات في ظل أزمة سيولة حادة يعاني منها القطاع، نتيجة استمرار إسرائيل في منع إدخال العملات الورقية منذ اندلاع حرب الإبادة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
ويقول فلسطينيون إن غالبية ما تبقى من العملات الورقية في غزة تعاني من اهتراء وتمزق، ما يحول دون قبولها في عمليات الشراء.
ويُعد الشيكل الإسرائيلي العملة الرئيسة المتداولة في المعاملات اليومية، سواء في الأسواق أو بين المؤسسات الحكومية الفلسطينية والقطاع الخاص، كما تُصرف به رواتب الموظفين العموميين وغالبية العاملين في القطاع الخاص.
ومنذ أكثر من عامين، يعتمد عدد كبير من الفلسطينيين على التحويلات المالية الرقمية عبر تطبيقات مصرفية، رغم التحديات المرتبطة بانقطاع الكهرباء وضعف خدمات الإنترنت.
وفي تقرير نشرته الاثنين، ذكرت" فايننشال تايمز" أن" مجلس السلام" يدرس إمكانية استخدام عملة رقمية مستقرة في غزة، بعد أن تضررت العملات الورقية بشدة خلال عامين من الحرب.
ونقلت الصحيفة عن خمسة أشخاص مطلعين على المناقشات قولهم إن دراسة إنشاء هذه العملة تأتي ضمن الجهود المبذولة لإعادة تشكيل اقتصاد القطاع المدمّر.
وأوضح المسؤولون أن المناقشات لا تزال في مراحلها الأولية، مشيرين إلى أن العملة المقترحة ستكون مرتبطةً بالدولار.
وقال أحدهم: " لن تكون هذه عملة غزة أو عملة فلسطينية جديدة، بل وسيلة للسماح لسكان غزة بإجراء المعاملات رقمياً".
وبحسب الصحيفة، يقود ليران تانكمان؛ المستثمر في مجال التكنولوجيا والمرتبط بمكتب تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق المحتلة، الجهود الرامية إلى تطبيق الفكرة، إذ يعمل مستشاراً متطوعاً في مجلس السلام.
كما أشارت إلى مشاركة مسؤولين في اللجنة الوطنية لإدارة غزة، إضافة إلى مكتب الممثل السامي برئاسة نيكولاي ملادينوف.
ولفتت إلى أن المجلس ولجنة إدارة غزة سيقرران الإطار التنظيمي للعملة المستقرة وآليات الوصول إليها، مؤكدة أنه لم يُحسم أي شيء نهائياً حتى الآن.
ولم تصدر اللجنة الوطنية لإدارة غزة أي تعقيب على ما نشرته الصحيفة البريطانية.
من جهته، حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، ومقره جنيف، من تحول المحافظ الرقمية إلى جيل جديد من أسلحة الإبادة الجماعية الصامتة في غزة.
وقال المرصد، في بيان، إن مخططات إسرائيلية أميركية تسعى إلى إعادة تشكيل قطاع غزة كحيّز منزوع السيادة المالية، عبر تجريده من العملة النقدية وفرض انتقال قسري إلى نموذج اقتصاد رقمي تُمسك مفاتيحه جهات خارجية متحالفة مع إسرائيل، بما يحوّل الوصول إلى المال والمعاملات الأساسية من حق أصيل إلى امتياز قابل للسحب.
وأضاف أن المشروع يجعل الغذاء والدواء والسكن رهائن لقرارات أمنية وتقديرات عسكرية، في إطار هندسة قسرية لإعادة تشكيل الحياة اليومية ودفع السكان نحو مسارات إفقار وتهجير تُدار عبر التكنولوجيا.
وأشار المرصد إلى أن تانكمان ارتبط اسمه سابقاً بمسار إنشاء مؤسسة غزة الإنسانية وتشغيلها، والتي تسبّبت، بحسب البيان، بمقتل وإصابة مئات الفلسطينيين خلال توجههم لتسلّم مساعدات إنسانية من نقاط توزيع تشرف عليها واشنطن وتل أبيب، كما كان لها دور في هندسة التجويع في القطاع.
ونقل المرصد عن تانكمان قوله، خلال فعالية في واشنطن، إن إعادة بناء غزة تتطلب استعادة اتصالها الرقمي والاقتصادي، عارضاً تصوراً لإنشاء عمود فقري رقمي آمن يُتيح المدفوعات الإلكترونية والتعليم والخدمات المالية، إلى جانب نظام لوجستي شبيه بمنصات التجارة العالمية الكبرى مثل" أمازون".
واعتبر المرصد أن هذا التصور يعني نقل الاقتصاد من مساحة الحقوق إلى مساحة التحكم التشغيلي والأمني.
ورأى المرصد أن المشروع يمثل غطاءً لمرحلة جديدة من هندسة السيطرة على الفلسطينيين وتعميق التبعية الاقتصادية لإسرائيل، عبر تحويل التكنولوجيا المالية إلى أداة ضبط جماعي قابلة للبرمجة، تسمح بالمراقبة الفورية والتقييد التعسفي والتجميد الانتقائي للأموال، في سياق حصار واحتلال قائمين، ومن دون سيادة فلسطينية على البيانات أو الأنظمة المالية أو شروط التشغيل والاعتراض.
ونبّه إلى أن أي بنية رقمية تُفرض تحت الاحتلال أو في إطار وصاية دولية، ومن دون سيادة فلسطينية كاملة على البيانات والأنظمة المالية، قد تتحول إلى أداة تحكم وإخضاع جماعي.
كذلك أعرب عن مخاوفه من أن يؤدي تأسيس نظام مالي رقمي خاضع لإسرائيل إلى" أداة ابتزاز شاملة"، إذ يمكن تجميد المحافظ الرقمية بقرار واحد، أو وسم الأفراد بصفات أمنية لتعليق وصولهم إلى أموالهم، من دون جهة رقابية مستقلة أو إجراءات واجبة أو وسائل طعن فعالة.
وشدّد المرصد على أن إعادة إعمار غزة والمرحلة الانتقالية يجب أن تستندا إلى احترام القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وضمان سيادة الفلسطينيين الكاملة على مواردهم وأنظمتهم وبياناتهم، وفصل أي ترتيبات إنسانية عن الوظائف الأمنية والاستخبارية.
وبحسب المرصد، تفرض إسرائيل حصاراً مالياً مشدداً على القطاع منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ما أدى إلى إغلاق جميع فروع البنوك.
ورغم عودة بعض الفروع إلى العمل جزئياً لاحقاً، لم يُسمح بإدخال عملات نقدية، الأمر الذي حال دون تقديم خدمات السحب النقدي.
ودعا المرصد إلى إخضاع أي منظومة رقمية لتدقيق مستقل ومنتظم في مجالي الخصوصية والأمن السيبراني، وضمان بدائل آمنة غير رقمية، وعدم جعل المحفظة الرقمية شرطاً للحصول على الخدمات أو للبقاء.
ويُعد مجلس السلام أحد أربعة هياكل خُصصت لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة، إلى جانب اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ومجلس غزة التنفيذي، وقوة الاستقرار الدولية، وفق البنود العشرين لخطة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لإنهاء حرب الإبادة الإسرائيلية.
ورغم أن مجلس السلام ظهر بدعم أميركي، فإن ميثاقه لا يذكر قطاع غزة صراحة، إذ يعيش نحو 2.
4 مليون نسمة، بينهم 1.
5 مليون نازح، في أوضاع إنسانية كارثية.
لا يمكن فصل النقاش حول عملة رقمية مستقرة في غزة عن السياق البنيوي للحصار وانعدام السيادة المالية؛ فبينما قد توفّر هذه الآلية حلاً تقنياً لأزمة السيولة وتعطل النقد الورقي، فإن جدواها الاقتصادية تبقى مشروطة بوجود إطار تنظيمي مستقل، وضمانات قانونية تمنع التسييس أو التجميد التعسفي للأموال، وتكاملها مع منظومة مالية فلسطينية ذات سيادة.
من دون ذلك، قد يتحوّل الابتكار المالي من أداة إنعاش وإعادة إعمار إلى آلية تعميق للتبعية والهشاشة في اقتصاد منهك أصلاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك