في سباق درامي رمضاني يتكدّس بالعناوين الكبيرة، يخرج مسلسل" عين سحرية" ليعلن حضوره بثقة، ويمكننا القول بكل ثقه انه عمل فني يعرف جيدًا ما يريد أن يقوله… وكيف يقوله، دراما مكثفة وسريعة الإيقاع، عالية النبرة الفنية، تراهن على صراع إنساني عميق، وصورة بصرية مشغولة بحب، وأداء تمثيلي يصل إلى حد المبارزة.
منذ اللحظة الأولى، ندرك أننا أمام عمل لا يكتفي بالحكاية، بل يصنع حالة، والقلب النابض للمسلسل هو المواجهة التمثيلية بين عصام عمر وباسم سمرة، ليست مواجهة صاخبة بالصراخ، بل صراع نظرات، صمت محسوب، ونبرات صوت تزن الكلمات بميزان الذهب.
عصام عمر يقدّم أداءً ناضجًا يتكئ على التفاصيل الدقيقة؛ ملامح مترددة أحيانًا، وجرأة مباغتة في لحظات الحسم، ليجسّد شخصية تعيش بين مطرقة الحقيقة وسندان الخوف، في المقابل يعتلي باسم سمرة المشهد بخبرته وثقله الفني، فيصنع شخصية مركبة، قاسية المظهر، عميقة الداخل، تفيض بالغموض وتتحرك بثقة من يعرف خبايا اللعبة.
الكيمياء بين النجمين خلقت حالة خاصة لدى الجمهور.
لم يعد المشاهد ينتظر فقط تطور الأحداث، بل اللقاء القادم بينهما، الحوار المقبل، النظرة التالية، إنها مباراة تمثيلية مفتوح.
يربح فيها الفن قبل أي شيء.
بقلم المؤلف هشام هلال، تنسج" عين سحرية" عالمًا خفيًا من الأسرار والفضائح، حيث تتحول المراقبة إلى أداة لكشف الفساد، وتصبح الحقيقة سلاحًا ذا حدين، فحين تراقب لتفضح.
هل تبقى في صف العدالة أم تقترب من حدود الخطر؟
السيناريو يتحرك بإيقاع سريع دون ترهل، كل حلقة تنتهي بذروة محسوبة تدفع المشاهد إلى التالية، المسلسل ينجح أيضًا في خلق توازن بين الخط الدرامي الرئيسي والخطوط الفرعية، بحيث لا يشعر المتابع بتشتت، بل بانسجام يخدم الفكرة الكبرى.
تتحول الحارة المصرية في المسلسل إلى بطل موازٍ للأحداث، والكادرات مشغولة بعين تعرف قيمة المكان، للتاكيد على أنها ليست ديكورًا، بل شريكًا في السرد، هذا الاشتغال البصري يمنح العمل طابعًا سينمائيًا واضحًا، ويعزز الإحساس بالحصار والتوتر.
الصورة في" عين سحرية" لا تزين الحكاية، بل تشرحها وتعمّقها.
لحظات الصمت، واللقطات القريبة على الوجوه، والاعتماد على الظل والنور، كلها أدوات تخدم الجو العام وتمنح المشاهد تجربة حسية متكاملة.
الإضاءة الليلية المائلة إلى الظلال تعكس هشاشة الأمان، وحركة الكاميرا المتسللة تمنح الإحساس بأن هناك" عينًا" تراقب الجميع، الصورة هنا ليست تجميلًا بصريًا، بل لغة قائمة بذاتها تُترجم القلق والتوتر وتعمّق الإحساس بالحصار.
الإخراج يحقق توازنًا دقيقًا بين سرعة الإيقاع وعمق اللحظة، تاركًا مساحات صمت محسوبة للممثلين، قبل كل انفجار درامي جديد، والإعتماد على التكثيف بدل التطويل، وعلى العمق بدل الضجيج ويختار أدواته بعناية بنص متماسك، وأداء تمثيلي رفيع وصناعة حالة بصرية متكاملة.
ولا يمكن تجاهل الدور المحوري الذي تلعبه الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في إنتاج أعمال بهذا المستوى من الجودة، عبر دعم النصوص الجادة والمراهنة على التنوع والمزج بين الأجيال داخل مشروع واحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك