مع دنو موعد أذان المغرب في شهر رمضان، تُفترش شوارع كثيرة في مدن عربية وإسلامية بموائد إفطار للصائمين، في ظاهرة باتت رمزًا وتقليدًا أساسيًا من تقاليد الشهر الفضيل.
ويقيم سكان الشوارع في الأحياء موائد الرحمن لإطعام الصائمين من الفقراء، والمساكين وعابري السبيل، تجسيدًا لمعنى التضامن والتكافل الاجتماعي.
لكن المشهد التضامني البسيط والمألوف بات أيضًا يشهد تحولات وتغيرات في شكل وأسلوب تقديم هذه الموائد في عدد من الدول.
كما لم يعد الإفطار الجماعي التضامني مجرد مبادرة في الأحياء، بل أصبح جزءًا من تنظيم بلدي أو مؤسسي.
وبإلقاء نظرة سريعة، نجد أن موائد الإفطار لا تزال تُنظم بأسلوب تقليدي، وبمبادرات فردية من السكان وبعض التجار في أحياء: دمشق القديمة، وبيروت، وطرابلس.
ويتطوع كل شخص قادر في الحي لجمع ما يستطيع تقديمه للمائدة الرمضانية، وهي طاولة بلاستيكية موضوعة على رصيف أو في باحة مسجد، توضع عليها المفارش والأطعمة.
وفي القاهرة أيضًا، يقيم سكان أحياء شعبية مثل: شبرا، والسيدة زينب موائد رحمن يومية للعمال والمحتاجين في شكلها البسيط.
وتُموّل العائلات في هذه الأحياء الموائد بمساهمات يومية بسيطة.
لكن صورة الظاهرة الخيرية النابعة من روح التضامن والتكافل الاجتماعي ومساعدة الآخرين تغيّرت في مدن أخرى، حيث تحولت إلى حدث عام، ويقام بعضها برعاية مؤسسات وشركات.
ففي إسطنبول التركية، تتولى البلديات سنويًا الإشراف على موائد الإفطار بدل سكان الأحياء، وتستقبل الموائد الرسمية آلاف الصائمين يوميًا في ساحات عامة، مثل ساحة السلطان أحمد.
ويبرز شكل آخر لموائد الرحمن الحديث حيث أصبحت موائد الرحمن تقام في خيام كبيرة تحت رعاية مؤسسات.
كما أن هذه الموائد لا تقتصر على إفطار الصائمين فقط، وإنما تقام فيها أيضًا أنشطة اجتماعية.
أما في الرباط والدار البيضاء، فتوزع جمعيات خيرية وجبات جاهزة على الصائمين المحتاجين، كما تقيم موائد إفطار تستقبل مئات الأشخاص يوميًا طيلة رمضان.
ويجعل تنامي أعداد المقبلين على موائد الإفطار الجماعية هذه الظاهرة نشاطًا اجتماعيًا منظّمًا، لا مبادرة فردية فقط.
كما أثارت التغيرات والتحولات الحاصلة في ظاهرة موائد الرحمن نقاشًا في بعض المجتمعات.
فبينما ينظر كثيرون إلى موائد الرحمن على أنها تجسيد لفكرة التكافل، يرى آخرون أن بعض الفعاليات الكبيرة باتت أقرب إلى حدث دعائي أو مناسبة اجتماعية.
لكن النقطة الأهم في هذه التحولات تحيلنا إلى تساؤلات عن المغزى الأساسي الذي تقام من أجله هذه الموائد، إذا ما كان سدّ حاجة غذائية لفئات محددة، أم مشهدًا احتفاليًا واسعًا يشارك فيه الجميع.
كما أن هناك اختلافًا جوهريًا في موائد الرحمن بين الأمس واليوم، حيث كانت تجمع في السابق من هم في محيط حي ضيق وتجمعهم روابط مشتركة، أما اليوم فيجلس صائمون لا يعرفون بعضهم إلى المائدة نفسها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك