مع دقات طبول الدراما الرمضانية التي تصدح بها شاشات التلفاز هذا العام، وتحديداً مع تصاعد أحداث مسلسل" مناعة" الذي يعيد فتح ملفات" تجارة الكيف" وسطوة" المعلمات" في حي الباطنية، كان لزاماً علينا في" اليوم السابع" أن نترك مقاعد المتفرجين ونشد الرحال إلى قلب القاهرة التاريخية.
لم تكن رحلتنا مجرد جولة عابرة، بل كانت محاولة لفك طلاسم التحول العجيب الذي طرأ على بقعة كانت يوماً ما" جمهورية مستقلة" داخل حدود العاصمة، يحكمها قانون" الصنف" وتديرها عقول نساء حديديات لم يعرف قلبهن الرحمة.
حين تطأ قدماك حي الباطنية اليوم، تشعر للوهلة الأولى بصدمة حضارية إيجابية، تلك الأزقة الضيقة التي كانت قديماً تكتسي بضباب الدخان الأزرق وتفوح منها رائحة" الحشيش" و" الهيروين"، أصبحت الآن تفوح بعطر البخور القادم من رحاب الجامع الأزهر.
لقد نجحت يد الدولة، في معركة استمرت سنوات، في نزع" السرطان" الذي سكن أحشاء هذا الحي العريق، لتعيد صياغة المشهد المعماري والاجتماعي بشكل يجعل من المستحيل على الغريب أن يصدق أن هنا كان يُباع الموت في أكياس صغيرة.
في لقاء جمعنا بمحمد عبد الرحمن، أحد شيوخ المنطقة الذي شاب شعره وهو يراقب تقلبات الزمان في حواريه، بادرنا بقوله إن ما يشاهده الناس في مسلسل" مناعة" هو جزء لواقع كان أكثر رعباً وإثارة.
يروي محمد بصوت يملؤه الفخر بالوضع الحالي والرهبة من الماضي، كيف كانت" المعلمات" هن الحاكم الفعلي للباطنية.
يسرد لنا أسماءً رنت في آذان رجال المباحث لعقود، مثل المعلمة" غالية" والمعلمة" سجينة" وغيرهن، نساء كن يمتلكن" جيوشاً" من الناظورجية والموزعين، وكان نفوذهن يمتد ليشمل توفير الحماية لكل من يدخل" المملكة" طالباً للكيف.
يستطرد محمد في حديثه الشيق، واصفاً المشاهد البوليسية التي كانت تجري على أرض الواقع: كانت المعلمة تجلس على" العرش" خلف مكتب خشبي عتيق، وحولها صناديق خشبية" سحارات" لا تحتوي على بضائع تجارية عادية، بل على ثروات من المخدرات الخام التي كانت تصل عبر طرق معقدة.
كانت الباطنية قلعة محصنة، لا يدخلها الغريب إلا" بإذن"، ولا يخرج منها إلا وقد ترك ماله وصحته.
الدراما التي نراها اليوم في التلفاز تحاول محاكاة تلك الأجواء، لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة، حيث كانت الصراعات بين" المعلمات" وبعضهن البعض، أو بينهن وبين المنافسين، تنتهي أحياناً في لمح البصر بطلقات رصاص أو بطعنات غدر لا تعرف الرحمة.
الباطنية تحولت من وكر مخدرات لمقصد سياحي.
أما أحمد محمد، وهو شاب من الجيل الذي شهد عملية" العبور العظيم" للحي من التلوث إلى التطهير، فيأخذنا في جولة بين البيوت التي رممتها الدولة.
يشير بيده إلى العقارات ذات الطراز المعماري الإسلامي الفريد التي كانت قديماً" أوكاراً" مغلقة، وأصبحت اليوم واجهات سياحية ومقار لمشروعات صغيرة.
يقول أحمد إن التحول لم يكن أمنياً فقط، بل كان ثقافياً واقتصادياً، فالدولة لم تكتفِ بتكسير قلاع المخدرات، بل أقامت مشروعات تنموية وفتحت آفاقاً للشباب للعمل في الحرف اليدوية والسياحة، مما جعل" تجارة الموت" غريبة ومنبوذة في عقر دارها القديم.
وعلى مقربة من المشهد، يتحدث سيد علي عن" الطلاب الوافدين" الذين يمثلون اليوم نبض الحي الجديد، فالباطنية الملاصقة للأزهر الشريف، أصبحت السكن المفضل لطلاب العلم القادمين من إفريقيا وآسيا وأوروبا.
هؤلاء الطلاب الذين يسيرون بكتبهم في نفس الأزقة التي كانت تشهد" بريموس" الهيروين، هم الدليل الحي على انتصار النور على الظلام.
يقول سيد إن أهالي الحي يشعرون اليوم بالأمان على أبنائهم، فالمكان الذي كان يخشى المرء أن يمر به في وضح النهار، أصبح الآن مقصداً للسياح الذين يلتقطون الصور التذكارية أمام البيوت الأثرية والمساجد العتيقة التي طالتها يد التطوير.
الحكومة خاضت في الباطنية" معركة وعي" قبل أن تكون" معركة مباني"، فقد تم تطوير البنية التحتية بالكامل، ورصفت الطرقات بالحجر الذي يليق بالقاهرة التاريخية، وتم تحويل العديد من الخرابات التي كانت مخازن للصنف إلى حدائق ومساحات مفتوحة.
هذا التغيير الجذري جعل من الباطنية نموذجاً يحتذى به في كيفية استعادة الأحياء المختطفة، ولم يعد المسلسل الرمضاني" مناعة" بالنسبة للأهالي سوى تذكرة بـ" كابوس" استيقظوا منه على واقع أجمل بكثير.
إن حكايات المعلمات التي يسردها المسلسل، مثل تلك المرأة التي كانت تخبئ الكيف في" ضفائر شعرها" أو داخل" قطع الأثاث" المحفورة بمهارة، أصبحت قصصاً من التراث الشعبي يتم تداولها في المقاهي الشعبية بالحي، لكن بنبرة سخرية من ماضٍ لن يعود.
اليوم، تتحدث الباطنية لغة أخرى، لغة السياحة، ولغة العلم، ولغة الاستقرار، فالمعلمة اليوم في الباطنية هي الأم التي تربي أولادها على الفضيلة، أو الطالبة التي تدرس في رحاب الأزهر، أو السيدة التي تدير مشروعاً يدوياً صغيراً يعكس تراث مصر الأصيل.
في نهاية جولتنا، وجدنا أنفسنا أمام لوحة متكاملة الأركان، حيث تم محو" وصمة العار" التي التصقت بالحي لسنوات طويلة.
الباطنية اليوم هي قلب القاهرة النابض بالتاريخ، وهي رسالة قوية لكل من يحاول العبث بأمن هذا الوطن، مفادها أن الدولة قادرة على اقتلاع الفساد من جذوره وإعادة بناء الإنسان والمكان.
لقد سقطت دولة الكيف، وقامت مقامها دولة القانون والجمال، ليظل حي الباطنية حياً عصياً على النسيان، ليس بآثامه القديمة، بل ببعثه الجديد الذي أبهر الجميع.
إن ما حققته الدولة في هذه المنطقة يفوق الخيال، حيث تحول الحي من" بقعة معزولة" تخضع لسيطرة عصابات منظمة، إلى" متحف مفتوح" يضاهي أرقى أحياء العواصم العالمية التاريخية.
إنها قصة نجاح مصرية خالصة، بطلها الإرادة السياسية وأهالي الحي الذين اختاروا الحياة الكريمة بدلاً من العيش في ظلال السموم.
ومع تتابع حلقات مسلسل" مناعة"، يبقى الواقع في الباطنية هو المسلسل الأجمل الذي كتبته سواعد المصريين، وأخرجه الإصرار على التغيير، ليكون مسك الختام لرحلة طويلة من الظلام إلى النور.
تدور أحداث مسلسل مناعة في إطار شعبي داخل حي الباطنية، وتعود من خلال الأحداث إلى فترة السبعينيات والثمانينات، من خلال شخصية التي تلعبها هند صبري التي تتحول من زوجة مغلوبة على أمرها لزوجها الذي يُقتل في تجارة الممنوعات إلى سيدة قوية تواجه الصعاب لحماية أسرتها، وتغوص الأحداث في عالم المخدرات والصراعات الاجتماعية مع استعراض مفهوم" المناعة النفسية" في مواجهة القسوة.
مسلسل مناعة بطولة هند صبرى، رياض الخولى، أحمد خالد صالح، خالد سليم، مها نصار، كريم قاسم، أحمد الشامى، عماد صفوت، هدى الإتربى، ميمى جمال، وعدد كبير من الفنانين، بجانب عدد من ضيوف الشرف، تأليف عمرو الدالى، إخراج حسين المنباوى، إنتاج المتحدة استديوز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك