التصريحات التي أطلقها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير خلال جلسة الكابنيت الأخيرة بشأن ترتيبات شهر رمضان في المسجد الأقصى لم تكن مجرد مواقف سياسية عابرة، بل حملت في طياتها إعلانًا صريحًا عن توجه حكومي يمسّ بجوهر “الوضع الراهن التاريخي” للمسجد.
الأخطر في هذه التصريحات لم يكن مضمونها فحسب، بل الإقرار بأنها تتم بتنسيق مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ما ينقل المسألة من إطار اجتهاد أمني إلى مستوى قرار سياسي تتحمل مسؤوليته الحكومة بكاملها.
ما هو الوضع الراهن ولماذا يشكّل مرجعية ملزمة.
الوضع الراهن في المسجد الأقصى ليس تفاهمًا طارئًا وُلد في العقود الأخيرة، بل هو منظومة تاريخية قانونية تعود جذورها إلى العهد العثماني منذ عام 1517، حين ثُبّتت إدارة المسجد بصفته وقفًا إسلاميًا خالصًا تحت إشراف الأوقاف الإسلامية وأرست التفاهمات ما بين الطوايف المسيحيه وامتداداتها الدوليه وفق منظومه تاريخيه قانونيه دوليه سياسيه دينيه.
هذا المبدأ تعزز دوليًا بعد حرب القرم في معاهدة باريس عام 1856 التي أكدت احترام الامتيازات الدينية القائمة، ثم أعادت معاهدة برلين عام 1878 تثبيت حماية الأماكن المقدسة وعدم المساس بترتيباتها الدينية.
خلال الانتداب البريطاني، نصّ صك الانتداب الصادر عن عصبة الأمم عام 1922 على صون الأماكن المقدسة وعدم الإخلال بحقوق الطوائف الدينية فيها.
وبعد عام 1948 استمرت الإدارة الأردنية للمسجد الأقصى حتى عام 1967 من خلال الوصايه الهاشميه دون تغيير في طبيعته الدينية كمسجد للمسلمين.
تفاهمات 1967 وإقرار إسرائيل بالستاتيكو.
عقب احتلال القدس الشرقية عام 1967، جرى تفاهم شفهي بين وزير الحرب آنذاك موشي ديان وقيادات دينية إسلامية مقدسية يقضي ببقاء إدارة المسجد بيد الأوقاف الإسلامية اي الإقرار بالوضع الراهن التاريخي" الستاتيكو"، هذا التفاهم أصبح حجر الأساس لما يُعرف بالستاتيكو المعاصر" الوضع القائم"، ولم تُقدم الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة رسميًا على إلغائه، بل حافظت عليه كترتيب أمني وديني وتاريخي وقانوني ودولي حساس.
قرارات مجلس الأمن التي حصّنت وضع القدس.
المنظومة القانونية لم تتوقف عند التفاهمات المحلية، بل دعمتها قرارات دولية واضحة.
قرار مجلس الأمن 242 لعام 1967 أكد عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة.
القرار 252 لعام 1968 والقرار 267 لعام 1969 اعتبرا الإجراءات الإسرائيلية الهادفة إلى تغيير طابع القدس باطلة.
القرار 271 لعام 1969 أدان المساس بالأماكن المقدسة.
ثم جاء القراران 476 و478 عام 1980 ليرفضا “قانون القدس” ويعتبرا ضمّ القدس الشرقية لاغيًا وباطلًا.
وأخيرًا أكد القرار 2334 لعام 2016 عدم شرعية أي تغييرات أحادية في الأراضي المحتلة منذ 1967 بما فيها القدس الشرقية.
اليونسكو والهوية التاريخية للموقع.
قرارات المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو بين عامي 2016 و2018 شددت على أن المسجد الأقصى/الحرم الشريف موقع تراث إسلامي، ورفضت أي محاولة لتغيير وضعه الديني او القانوني أو التاريخي.
هذه القرارات أعادت تثبيت البعد الثقافي والحضاري للمسجد باعتباره جزءًا من التراث الإنساني العالمي.
معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية الموقعة عام 1994، المعروفة باتفاقية وادي عربة، نصّت في مادتها التاسعة على الاعتراف بالدور الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس.
هذا الاعتراف ليس مجاملة سياسية بل التزام تعاقدي دولي، وأي مساس به يفتح الباب أمام تبعات قانونية ودبلوماسية مباشرة.
المسؤولية في ضوء نظام روما الأساسي.
نظام روما الأساسي لعام 1998 المنشئ للمحكمه الجنائية الدولية ينص في المادة 8 على تجريم استهداف المباني المخصصة للعبادة، كما يعرّف في المادة 7 الجرائم ضد الإنسانية.
وفي سابقة قضائية مهمة عام 2016 في قضية أحمد الفقي المهدي المتعلقة بتدمير أضرحة تمبكتو في مالي، اعتبرت المحكمة أن الاعتداء على مواقع دينية وتراثية يرقى إلى جريمة حرب.
هذه السابقة تؤكد أن حماية المقدسات ليست شأنًا محليًا بل التزامًا دوليًا قابلًا للمساءلة.
حين تتحول الزيارات السياحيه إلى صلوات علنية، وحين يُعاد تنظيم الزمن والمكان داخل المسجد بما يمسّ بطبيعته الدينية، فإن الأمر يتجاوز الاعتبارات الأمنية ليصبح تغييرًا جوهريًا في وظيفة المكان.
وفق اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، لا يجوز للدولة المحتلة تغيير الوضع القانوني أو الإداري للأرض المحتلة، وهو ما يجعل أي تعديل أحادي في طبيعة إدارة الأقصى موضع مساءلة قانونية دولية.
تحدٍّ لمنظومة قانونية ممتدة منذ قرن ونصف.
التصريحات التي تتحدث عن “تصحيح ظلم” أو “مساواة دينية” تتجاهل أن المسجد الأقصى ليس ساحة نزاع حقوقي داخلي، بل موقع تحكمه ترتيبات تاريخية دولية تعود إلى القرن التاسع عشر، وثبّتها القانون الدولي الحديث.
الإقرار بالتنسيق الحكومي يعني أن المسؤولية لا تقع على وزير بعينه، بل على الحكومة الإسرائيلية ككيان سياسي وقانوني، فالمساس بالوضع الراهن في المسجد الأقصى ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل خطوة تُفسَّر كخرق لالتزامات دولية راسخة، من معاهدات القرن التاسع عشر إلى قرارات مجلس الأمن ونظام روما الأساسي.
في ظل هذه المرجعيات، فإن أي تغيير أحادي يحمل في طياته تبعات قانونية تتجاوز حدود القدس لتصل إلى ساحات القانون الدولي.
الأقصى ليس ملفًا إداريًا بل قضية ترتبط بالنظام القانوني الدولي ذاته هذا ناهيك عن مكانته الدينيه العقديه الاسلاميه التي لا مساومه فيها ولا عليها وأي عبث به هو اختبار مباشر لمدى قدرة هذا النظام على حماية الإرث الديني والإنساني الدولي والذي ارتقى المس به إلى جريمة حرب يعاقب عليها كل من ساهم وشارك في هذه الجريمه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك