أضاف مشروع قانون مهنة المحاماة 66-23 حوالي 53 نصا جديدا على القانون القديم تتعلق بالرقمنة والتحديث والتنظيم والحكامة والتسيير والمباراة ومستوى التكوين والممارسة والتخصص.
وكان سببا في مخاوف المحامين والتعبير عن احتجاجات واسعة بإعلانهم عن إضراب وطني دام أسبوعين بسبب رفضهم بعض مقتضيات مشروع القانون رقم 66-23 الذي يعتبرونه تهديدا لاستقلالية المهنة ومسا بحقوقهم كالتمثيل الإلزامي في المحاكم وآليات المراقبة والتأديب والتدخل في قرارات المحامين وفتح مكاتب محاماة أجنبية وشروط الولوج إلى المهنة والودائع والمحاسبة والتمثيلية في المجلس الوطني.
حيت أثارت جدلا واسعا.
وقد عبر النقيب عبد الرحيم الجامعي في رسالته عن تهرب رئيس الحكومة عزيز أخنوش من المسؤولية وعدم اتخاذ موقف واضح بشأن أزمة المحامين مع وزير العدل.
وأمام موقف وزير العدل عبداللطيف وهبي الذي يبدو ظاهريا أنه يسعى لإصلاح مهنة المحاماة لمواكبة التطورات التكنولوجية والاحتياجات الحديثة وتحسين الخدمات ويدافع عن مصالح المواطنين وحقوق المتقاضين ويبدي تمسكه بالصيغة النهائية لمشروع القانون كما هو في محاولة لتوحيد القوانين المنظمة للمهن القضائية والقانونية لضمان انسجامها، مع استعداده لتلقي مقترحات جمعية هيئات المحامين كتابة وإدخال التعديلات الممكنة من داخل البرلمان ويرفض المناقشة خارج مسطرة التشريع، كما يرفض التراجع عن إحالة المشروع على البرلمان كمؤسسة تشريعية لمناقشته والتصويت عليه، فأضحى المشروع مسرحا للصراعات السياسية والتحالفات الحزبية.
فهناك بوادر صراع بين التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة بدأت تظهر على السطح خاصة بعد تصريح محمد أوجار عضو المكتب السياسي الذي انتقد فيه سياسة التعمير في المغرب أنها تحتاج إلى مراجعة مما أثار استياء حزب الأصالة والمعاصرة وعبر المكتب السياسي عن خيبة أمله اتجاه تجاوز قيادة التجمع الوطني للأحرار تصريحات أوجار، بل تجاوز صراع الحزبين الجانب السياسي إلى الجانب التنظيمي لتحسين كل فريق موقعه في الخريطة السياسية المغربية لتحضير الانتخابات التشريعية لسنة 2026 وإعادة ترتيب التحالفات السياسية حيت يسعى التجمع الوطني لتعزيز تحالفه وموقعه مع أحزاب أخرى وكسب ود حزب الاستقلال والحركة الشعبية، بينما حزب الأصالة والمعاصرة يسعى للحفاظ على تحالفاته القائمة مع البحث على تحالفات أخرى مع حزب العدالة والتنمية وحزب التقدم والاشتراكية.
وبعد أن فشلت الوساطة البرلمانية التي لم تكن رسمية في حل الأزمة، ونتيجة تواصل الضغط من المحامين ووسائل الإعلام، وبوساطة البرلماني التجمعي بمبادرة شخصية وليس بموجب تكليف رسمي من البرلمان كوسيلة سياسية لتحقيق أهداف حزبية وتكتيكا لتوازن سياسي داخل الحكومة، وبعدما انتهى رئيس الحكومة من ترتيب تنحيته السياسية خلال المؤتمر الاستثنائي وبعد كل هذه الملابسات وجد نفسه مجبرا على التدخل بشكل مباشر وحاسم لنزع فتيل الاحتقان مع المحامين حيت اتخذ خطوة مفاجئة بتجميد إحالة مشروع القانون على البرلمان وفتح حوار جديد معهم بعد لقاء مطول مع ممثليهم بتاريخ 11 فبراير 2026 في غياب وزير العدل الذي كان خارج أرض الوطن الشيء الذي أثار استياءه وعبر عن امتعاضه من طريقة تدبير الملف، كما أن حزبه استنكر غياب التشاور واعتبر أن التجمع الوطني للأحرار يفرض أسلوبه في الحكم حيت يريد عزيز أخنوش إظهار جدية الحكومة في حل الأزمة مع المحامين، مما يعكس توثرا بين الرجلين الشيء الذي يزيد من تعقيد المفاوضات أو تأجيل الحوار أو تأخير إقرار القانون.
وبدت أخبار عن إمكانية تقديم استقالة عبد اللطيف وهبي من منصبه حيت نفى ذلك واعتبر الأخبار المتداولة حول الموضوع محض أحلام، وقد أكدت الأيام أنه رغم الضغوط التي يواجهها منذ توليه منصب وزير العدل فإنها لم تؤثر على قراره في البقاء في منصبه، بل إن استقالته ستخسر حزبه قوة سياسية ووزيرا بارزا.
ويعكس هذا القرار توثرا بين رئيس الحكومة ووزير العدل حيت أظهر الأول أن القرارات تتخذ على أساس سياسي ويحاول حل الأزمة ساعيا لإرضاء المحامين وتجنب مزيد من الاحتقان وإعادة بناء الثقة معهم وإعادة التوازن داخل الحكومة وإظهار قدرته على التحكم فيها وتحسين صورة التجمع الوطني للأحرار، في حين الثاني يرى أن قرار رئيس الحكومة تجاوزا لصلاحيات وزير العدل ولا يملك سلطة إيقاف إجراءات البرلمان طبقا للفصلين 70و71 من الدستور، وبين هذا وذاك يسحب أخنوش في هذا الملف البساط من تحت أقدام وهبي و تبرز لعبة سياسية تعكس توثرا سياسيا بين حزبين في التحالف الحكومي.
وبتاريخ 13 فبراير 2026 اجتمعت لجنة تقنية مكونة من مكتب رئيس جمعية هيئات المحامين النقيب الزياني ونقباء الرباط والدارالبيضاء وأكادير ومكناس وممثلين عن رئاسة الحكومة تتشكل من الوزير المنتدب مصطفى بيتاس (التجمع) وكاتبي الدولة عبد الجبار الراشدي (الاستقلال) وهشام صابري (الأصالة) لإدارة المفاوضات واستمرار عمل اللجنة تحت إشراف مباشر من رئيس الحكومة لإعادة مراجعة بعض مقتضيات المشروع بشكل توافقي حيت دعت الجمعية المحامون إلى استئناف العمل ابتداء من يوم الإثنين 16 فبراير 2026.
فما هي الضمانات بعدما قد أصبح الملف سياسيا أكثر منه قانونيا حيت أن طرفي الحكومة يسعيان لتحقيق أهداف سياسية واحد من خلال تحسين صورة التجمع الوطني للأحرار والثاني يريد الحفاظ على موقفه ومشروعه بدل التركيز على الجوانب القانونية والتقنية للمشروع فمن يكون الرابح ومن الخاسر في صراع الجبابرة؟إن الرابح الأكبر هو التجمع الوطني للأحرار الذي عزز موقعه السياسي وحسن من صورة حزبه باحثا عن توازن بين تحديث المهنة وصون استقلالها ومعه الحركة الشعبية التي استطاعت توسيع قاعدتها الجماهيرية وفتحت شهية جزء من الناخبين لدعمها، ويبقى حزب الأصالة والمعاصرة يعاني من ضعف في موقعه السياسي، ويضل حزب الاستقلال يعيش تصدعا داخليا مما يضعف موقعه الانتخابي ويحد من قدرته على التموقع.
أما المحامون فإنهم استفادوا من العناد والتوتر بين أخنوش ووهبي، وحصلوا على فرصة لتحسين موقفهم التفاوضي، وربحوا رهان تجميد إحالة مشروع القانون على البرلمان وفتح حوار جديد معهم، وهناك مكاسب مختلفة إذا ما كان النقاش يقوم على التدقيق القانوني والمؤسساتي وتحسين المواجهة عن طريق لجنة مختلطة من القانونيين والتقنيين والسياسيين، فليس إلزاميا وضروريا في المرحلة الراهنة تمثيل المحامون بأعضاء الجمعية فقط وإنما وجب تطعيم اللجنة بسياسيين محنكين مع أخذ الحيطة والحذر كمراجعة بعض المقتضيات التي أثارت جدلا واسعا لتعزيز استقلالية المهنة والحفاظ على حقوق المحامين وترسيخ الثقة في المعاملات المرتبطة بالمرفق القضائي.
فهل يمكن لرئيس الحكومة أن يحيل المشروع بعد التوافق حوله على البرلمان؟لا يوجد إلزام قانوني يقتضي إحالته من طرف وزير العدل، وقد يحضر رئيس الحكومة بالبرلمان ويتفاوض مع نواب التحالف الحكومي بالدرجة الأولى (التجمع والاستقلال) لضمان تمريره، غير أن دور وهبي يبقى هو الدفاع على المشروع في صيغته الأصلية وقد يعبر عن تحفظاته خلال مناقشة مشروع القانون وقد يزيد التوتر بين الحزبين ويؤثر على تماسك التحالف الحكومي ويستعمل عبد اللطيف وهبي لا محالة ورقة نواب الأصالة والمعاصرة البلغ عددهم 86 نائبا وبالتالي تبقى التعديلات تعتمد على مدى رضاه، لذلك وجب موافقة وزير العدل لتسهيل تمرير المشروع، ومحاولة جر عبد اللطيف وهبي إلى حوار شامل بين الحكومة ووزارة العدل واللجنة المختلطة للمحامين لنزع فتيل الخلاف وضمان توافق حول مشروع القانون أساسه حماية المحامين والمواطنين، وبهذا الشكل تكون جميع الأطراف رابحة، وكل لبيب بالإشارة يفهم.
للمفوضين القضائيين بالدارالبيضاء سابقا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك