الحيدوسي: أولويات ضبط التضخم وتحفيز النمو والحفاظ على الاحتياطي النقدي.
بوغادي: إصلاحات حديثة وشمول مالي لتسريع الاستثمار ودعم الصيرفة الإسلامية.
سلامي: تفكيك السوق الموازية وتحسين ملف المنحة السياحية ورفع قيمة الدينار.
تتواجد على طاولة محافظ بنك الجزائر الجديد ملفات ثقيلة ومعقدة تتداخل فيها السياسة النقدية بالاقتصاد الوطني، حيث تشمل ضبط التوازنات النقدية الكبرى ومواصلة كبح جماح التضخم مع تحفيز النمو، والحفاظ على احتياطي النقد الأجنبي، ودعم الصادرات خارج المحروقات.
كما تشمل تفكيك السوق الموازية للعملة الصعبة، وتنظيم العلاقة مع الخزينة فيما يخص الاستدانة الداخلية، وتحسين تسيير ملف المنحة السياحية، ورفع قيمة الدينار الجزائري، إلى جانب إدماج السيولة المتداولة خارج القنوات الرسمية ضمن النظام المصرفي الرسمي، وتطوير أدوات تمويل جديدة مثل الصيرفة الإسلامية، والعمل على الخروج من القائمة الرمادية “غافي” لضمان الامتثال لمعايير الشفافية الدولية.
وفي سياق تحولات اقتصادية دقيقة، جاء تنصيب رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لمحمد لمين لبو على رأس بنك الجزائر ليحمل أبعادا سياسية تتجاوز الطابع التقني البحت للمنصب، فالمرحلة الحالية تتسم بإرادة رسمية لإعادة ضبط بوصلة الاقتصاد الوطني، عبر تعزيز السيادة المالية، وتقليص التبعية للمحروقات، وفرض انضباط أكبر في إدارة الكتلة النقدية والعجز العمومي.
ومن هذا المنطلق، لا ينظر إلى المحافظ الجديد فقط كمسؤول نقدي، بل كأحد مهندسي المرحلة المقبلة في تجسيد رؤية الدولة لبناء اقتصاد متوازن، قادر على امتصاص الصدمات الخارجية ومواصلة مسار النمو.
فالرهانات المطروحة اليوم تتقاطع فيها السياسة بالنقد، والإصلاح البنكي بالاستقرار الاجتماعي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتضخم، والسوق الموازية للعملة، وتمويل الاستثمار، ويُفهم من هذا التعيين أن السلطة التنفيذية تسعى إلى ضخ نفس جديد في المؤسسة النقدية، من خلال اختيار إطار يجمع بين الخبرة البنكية والتسيير الصناعي والانفتاح الدولي، بما يسمح ببناء مقاربة شاملة تعالج الاختلالات الهيكلية وتدعم الثقة داخليا وخارجيا.
محمد لمين لبو… مسار مهني يجمع بين القطاعين المالي والصناعي.
ويستند محمد لمين لبو إلى مسار مهني متنوع يجمع بين القطاع المالي والصناعي، فقد أشرف على إطلاق وحدة “إيكوزيوم” بمجمع “مدار” عندما كان مسيرا لها، في خطوة عكست توجها نحو تنويع النشاطات الصناعية وتعزيز القيمة المضافة، كما تولى تسيير فرع التعليب “أو أن بي” بمجمع “إيميتال”، إلى جانب ترؤسه مجلس إدارة الشركة الجزائرية القطرية للصلب، ما مكّنه من الإحاطة بتحديات الصناعات الثقيلة وسلاسل التموين والتصدير.
كما شغل مناصب استراتيجية في الحوكمة، بصفته عضو مجلس إدارة في عدة شركات وطنية، من بينها “سيدار” والخطوط الجوية الجزائرية، وتُوج مساره البنكي بتوليه منصب المدير العام للبنك الوطني الجزائري، حيث راكم خبرة مباشرة في تسيير المؤسسات المالية العمومية، وكان أول مدير يشرف على إطلاق بنك الجزائر في السنغال، في تجربة شكلت خطوة نحو التوسع المصرفي خارج الحدود، قبل أن يتكفل مؤخرا بتسيير وبعث فروع بنوك جزائرية في باريس وليون ومرسيليا، ما يعكس بعدًا دوليًا في مساره المهني.
ويحمل لبو شهادة دكتوراه من جامعة ليون بفرنسا، كما شغل صفة أستاذ بجامعة عنابة، وهو ما يضفي على مساره بعدا أكاديميا يعزز مقاربته العلمية في معالجة الملفات الاقتصادية.
القانون النقدي والمصرفي حدد صلاحيات محافظ “بنك الجزائر” بوضوح.
ويعلّق الخبير الاقتصادي أحمد الحيدوسي في تصريح لـ”الشروق” بأن القانون النقدي والمصرفي رسم بوضوح مهام محافظ بنك الجزائر، وفي مقدمتها ضبط التوازنات الكبرى عبر التحكم في معدلات التضخم وتحفيز النمو في آن واحد.
وأوضح أن المرحلة المقبلة تقتضي إيجاد معادلة دقيقة بين الكتلة النقدية المتداولة واحتياجات السوق الوطنية، بما يخلق توازنا يسمح بكبح جماح التضخم من دون التأثير سلبًا على نسق النمو الذي تعول عليه الجزائر خلال السنوات القادمة.
ويضيف الحيدوسي أن التحكم في التضخم لا يعني فقط تقليص السيولة، بل يتطلب إدارة ذكية لأدوات السياسة النقدية، مثل نسب الفائدة وعمليات السوق المفتوحة، بما يسمح بامتصاص الفائض النقدي تدريجيا من دون خنق الاستثمار، ويرى أن الاستقرار السعري يمثل شرطا أساسيا لخلق مناخ أعمال واضح، يمكّن المؤسسات من التخطيط متوسط وبعيد المدى، ويشجع على توجيه الادخار نحو الاستثمار المنتج بدل المضاربة.
كما شدد على أن التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية أصبح ضرورة ملحة، خاصة في ظل المشاريع الكبرى التي أطلقتها الدولة.
فنجاح برامج الإنعاش الاقتصادي يتطلب انسجاما بين توجهات الخزينة وبنك الجزائر، لتفادي ضغوط تضخمية إضافية أو توسع غير مدروس في الكتلة النقدية.
ويؤكد أن الحفاظ على احتياطي نقد أجنبي مريح، عبر دعم الصادرات خارج المحروقات، سيمنح البنك المركزي هامش مناورة أوسع في إدارة سعر الصرف وحماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية.
الخروج من القائمة الرمادية لـ”مجموعة العمل المالي” أبرز التحديات.
من جهته، يرى الخبير حمزة بوغادي في إفادة لـ”الشروق” أن الرهان الحقيقي يكمن في مواصلة الإصلاحات البنكية بما يتماشى مع طموحات الدولة لبناء اقتصاد حديث، منظم ومستدام، مؤكدا أن الجزائر مطالبة بالتكيف مع متطلبات الصناعة المالية العالمية، لاسيما ما تعلق بمعايير الشفافية والامتثال الدولية في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وهو ما ينعكس مباشرة على جاذبية النظام المصرفي الجزائري.
ويعتبر بوغادي أن تحديث المنظومة البنكية يجب أن يمر عبر رقمنة الخدمات، وتوسيع الشمول المالي، وإدماج الكتلة النقدية المتداولة خارج البنوك في الدورة الرسمية، فكلما توسعت قاعدة المتعاملين مع الجهاز المصرفي، زادت فعالية السياسة النقدية وتحسن مستوى تمويل الاقتصاد.
كما أن تطوير وسائل الدفع الإلكتروني سيقلص من الاقتصاد الموازي ويعزز الشفافية.
وأضاف أن المحافظ الجديد مدعو إلى ابتكار أدوات تمويل جديدة، كالصيرفة الإسلامية ومنتجات التمويل الموجهة للمؤسسات الناشئة، بما يواكب التحولات الاقتصادية، ويرى أن تمكين البنوك من لعب دور أكبر في تمويل الاستثمار الخاص سيخفف الضغط على الخزينة العمومية، ويوفر بدائل حقيقية للاستدانة التقليدية، الأمر الذي يعزز الاستدامة المالية على المدى المتوسط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك