من منطق التسوية إلى اختبار القدرة على تثبيت السيادة.
منذ طرح المغرب لمقترح الحكم الذاتي سنة 2007، أخذ النقاش حول قضية الصحراء منحى جديدًا، انتقل فيه من صدام التصورات القصوى إلى البحث عن حل سياسي عملي داخل إطار السيادة المغربية.
ومع تزايد عدد الدول التي اعتبرت المبادرة جادة وذات مصداقية، بدأ يتشكل لدى البعض انطباع بأن تنزيل الحكم الذاتي، متى تحقق، قد يعني طيّ الصفحة نهائيًا.
غير أن القراءة المتأنية لمسار النزاعات الممتدة تُظهر أن الحلول السياسية لا تُغلق الملفات بالمعنى التاريخي المطلق، بل تعيد صياغتها داخل ترتيبات مؤسساتية جديدة.
فالسؤال الحقيقي ليس: هل ينهي الحكم الذاتي الملف؟ بل: هل يستطيع أن يحوله من نزاع مفتوح إلى معادلة استقرار مستدام؟الحكم الذاتي، في جوهره، ليس إعلانًا لنهاية الخلاف، بل إطارًا دستوريًا ينظم العلاقة بين الدولة المركزية والجهة في نطاق السيادة الوطنية.
نجاحه لا يرتبط فقط بإقراره، بل بمدى قدرته على إدارة التعقيدات التي قد ترافق تنزيله.
ففي حالة الصحراء المغربية، سيطرح التطبيق العملي أسئلة مرتبطة بتوزيع الاختصاصات، وضبط العلاقة بين المؤسسات الجهوية والسلطات المركزية، وآليات التحكيم عند حدوث تداخل أو خلاف.
وهذه التحديات لا تعني هشاشة المشروع، بل تعكس طبيعة أي تجربة مؤسساتية جديدة ذات حمولة سياسية ورمزية كبيرة.
الفرق الجوهري يكمن في أن النزاع، إن تم تأطيره داخل مؤسسات وقواعد قانونية واضحة، يتحول من مواجهة حول الشرعية إلى تدبير سياسي للخلاف.
المعارضة المحتملة وإدارة المخاطر.
حتى في حال تحقق توافق واسع حول المقترح، فإن منطق النزاعات الطويلة يُظهر أن بعض الفاعلين قد يختارون الاستمرار في المعارضة خارج الإطار المؤسسي.
قد تكون هذه المعارضة محدودة التأثير ميدانيًا، لكنها تظل عنصرًا يمكن توظيفه في سياقات إقليمية أو دولية متوترة.
من هنا، فإن نجاح الحكم الذاتي لا يقتصر على بنائه المؤسساتي، بل يتطلب استراتيجية استباقية لتحصينه سياسيًا وقانونيًا وتنمويًا، بما يقلص قابلية إعادة تدوير النزاع في المستقبل.
على المستوى الدولي، يُنظر إلى مقترح الحكم الذاتي منذ 2007 باعتباره الإطار الأكثر واقعية لتسوية النزاع.
هذا التحول مكسب استراتيجي مهم للمغرب، لأنه نقل النقاش من أطروحات قصوى إلى حل عملي داخل السيادة المغربية.
غير أن دعم المقترح بوصفه واقعيًا لا يعني بالضرورة حسمًا نهائيًا في نظر جميع الفاعلين الدوليين.
فالدول الكبرى تعتمد غالبًا مقاربات براغماتية، توازن بين الاستقرار الإقليمي ومصالحها الجيوسياسية في منطقة المغرب العربي.
وهنا يظهر الفرق الدقيق بين دعم حل سياسي عملي، وبين إغلاق ملف ذي أبعاد إقليمية ممتدة.
فاستقرار التسوية يظل مرتبطًا أيضًا بميزان القوى والتحولات الإقليمية، وبمدى قدرة المغرب على تثبيت مقترحه كخيار ناجح على أرض الواقع.
تُظهر تجارب الحكم الذاتي في سياقات مختلفة أن توسيع الصلاحيات لا يعني بالضرورة انتهاء الجدل السياسي.
ففي حالة كتالونيا داخل إسبانيا، كما في حالة اسكتلندا داخل المملكة المتحدة، استمر النقاش السياسي حول طبيعة العلاقة مع الدولة المركزية رغم وجود ترتيبات حكم ذاتي متقدمة.
غير أن الفارق الأساسي هو أن الخلاف ظل محكومًا بقواعد دستورية ومؤسساتية واضحة.
أي أن النزاع تحوّل من صراع حول الشرعية إلى تنافس سياسي داخل الدولة، لا خارجها.
وهذا هو الرهان الحقيقي لأي تجربة حكم ذاتي ناجحة.
البعد التنموي: من شرعية قانونية إلى شرعية واقعية.
إلى جانب الأبعاد السياسية والمؤسساتية، يبقى العامل التنموي عنصرًا حاسمًا في تثبيت أي صيغة حكم ذاتي.
فكلما اقترن المشروع بإقلاع اقتصادي فعلي، وتحسين ملموس في فرص الشغل وجودة الخدمات والبنيات التحتية، كلما تحوّل إلى خيار جاذب للسكان، لا مجرد تسوية سياسية.
لقد راهن المغرب خلال السنوات الأخيرة على تعزيز الاستثمارات والبنيات التحتية في الأقاليم الجنوبية، باعتبار التنمية ركيزة أساسية لترسيخ الاستقرار.
وإذا اقترن الحكم الذاتي بنموذج تنموي ناجح وفعّال، فإن ذلك سيمنحه مشروعية عملية تتجاوز الجدل النظري، وتجعل العودة إلى منطق النزاع أقل قابلية للاستثمار داخليًا.
من التسوية إلى اختبار تثبيت السيادة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك