وهو محمد عبد الجبار النفري عاش في القرن الرابع الهجري (354هـ) وجاء لقبه نسبة لقرية نفر من قرى بابل في العراق، وله كتاب «المواقف والمخاطبات» جمعه حفيده أبو عبد الله محمد بن عبد الله؟ الكتاب عبارة عن رسالتين هما، المواقف والمخاطبات، الكتاب ضمّ سبعة وسبعين موقفا، أمّا المخاطبات فضمت ستا وخمسين مخاطبة.
اكتشفه ونشره المستشرق البريطاني جون آرثر أربري سنة 1934 ثم بعد نصف قرنا تقريياً جاء الأب بولص أنويا سنة 1973 لينشر نصوصا جديدة لم تنشر في رسالتي المواقف والمخاطبات في كتابه (نصوص صوفية غير منشورة).
رغم إن مصادر التاريخ عن حياته قليلة جدا؛ وكل ما تمّت معرفته عنه جاءت من خلال كتاب الفتوحات المكيّة لمحيي الدين بن العربي الذي أشار إليه، وأستطيع أن أسمي نصوص النفري، قصائد نثر بدائية، أو البداية الحقيقية لتأسيس قصيدة النثر العربية، رغم القالب الصوفي الذي وضعها فيه، واتفق تماما مع ما ذهب إليه الناقد عبد العزيز المقالح في هذا، من خلال نفي استيراد مصطلح قصيدة النثر من أوروبا، بل هنالك الكثير من الشواهد في التراث العربي، تدل على تراثية هذا النوع من الشعر، وتلك المزاوجة بين الشعر والنثر، التي ظلت تحمل الطاقة الشعرية، سواء من خلال البناء اللفظي، أو انزياح المعنى، أو الصياغة التكنيكية، لنأخذ بعض نصوص النفري على سبيل المثال:
(أوقفني في القرب وقال لي: ما من شيء أبعد من شيء ولا من شيء أقرب من شيء إلا حكم إثباتي له في القرب والبعد).
(أوقفني في قف وقال لي: إذا قلت لك قف فقف لي، لا لك ولا لأخاطبك، ولا لآمرك ولا لتسمع مني ولا لما تعرف مني ولا لما لا تعرف مني، ولا لأوقفني ولا ولياً عبد، قف لا لأخاطبك ولا تخاطبني، بل أنظر إليك وتنظر إليّ فلا تزل عن هذا الموقف حتى أتعرف إليك وحتى أخاطبك وحتى آمرك فإذا خاطبتك، وإذا حادثتك فابك إن أردت عليّ البكاء، وإن أردت على فوتي بخطابي وعلى فوتي بمحادثتي).
(و قال لي أنا في كل شيء بلا أنية فيه، ولا حيثية منه ولا محلية منفصلة ولا متصلة ولست فيها، ولا هو فيّ وأنا أبدو لك فأفني منك ما تتعلق به المعرفة، وأبقي لك ما تتعلق به من العلم).
(أوقفني في الصفح الجميل وقال لي: لا ترجع إلى ذكر الذنب فتذنب بذكر الرجوع).
(وقال لي: اعرض نفسك على لقائي في كل يوم مرة أو مرتين وألق ما بدا كله والقني وحدك كذا أعلمك كيف تتأهب للقاء الحق).
فقصيدة النثر في نسختها الفرنسية كتبت على شكل مقال، وليس على شكل شطر، وهذا ما يتضح من نصوص النفري، ثم اعتماد النسخة الفرنسية على اللاغرضية، والمتأمل إلى نصوص النفري، سوف لن يجد غرضا محددا لها، فهي عبارة عن مناجاة وخطاب تجريدي الى غائب، ولم تحدد بزمن معين ولا مكان محدد وهذه من صفات النسخة الفرنسية أي (المجانية) وايضا كتبت بلا وزن ولا قافية، وهذا أبرز سمات النسخة الفرنسية لقصيدة النثر، هذا إذا أخذنا بالإعتبار أنّه لا يمكن النظر إلى تعميق الأسلوب التحليلي في مقاربة النصوص بوصفه غاية قائمة بذاتها، بل باعتباره لحظة تأسيسية أسهمت في زحزحة البنية التقليدية للخطاب الأدبي، ومهّدت لتحولات حداثية أصابت اللغة في مستوياتها التعبيرية والدلالية، شعرا ونثرا، فقد انفتحت الكتابة الأدبية على آليات جديدة في تشكيل المعنى، قوامها الصورة والخيال والتفكير المجرد، ضمن أنساق لغوية خرجت عن مألوف الشعر الموروث منذ العصر الجاهلي، وبدأت تقوّض مركزية النموذج التقليدي في القول الشعري، حيث تعدّد أغراض القول، وتحوّل جوهري في طرائق التشكيل الفني، ما أدى إلى تفكيك القوالب الجاهزة وإعادة تركيب النص الشعري، وفق منطق مغاير يقوم على الابتكار والانزياح، بدل التكرار والمحاكاة، وفي هذا الأفق التحولي، اتجه الشعر، ولاسيما في التجربة الصوفية، نحو أبعاد تجريدية ورمزية كثيفة، أسست لنصوص إشكالية تتعمد الإيحاء وتقاوم الفهم المباشر، لاعتمادها على صور ذهنية تتشابك فيها الرؤية والخيال والفكر في بنية مفتوحة، ويغدو نص النفري في هذا السياق ذروة تعبيرية لهذا المسار، من حيث التكثيف والتجريد، محولا النص إلى فضاء تأويلي تتداخل فيه اللغة مع الرؤية الوجودية والميتافيزيقية.
في عام 1978 نشر الشاعر العراقي عادل عبد الله في مجلة «الطليعة الأدبية» العراقية (العدد 11) مقالا بعنوان (من كتب «تحولات العاشق» أدونيس أم النفري؟ ).
استشهد به الشاعر كاظم جهاد أيضا ووضع له جدولا يثبت لأول مرة عبارات ومقاطع تتقاطع تماما مع صياغة أدونيس حرفيا، وضعها في جدولين متوازيين يثبتان مدى التقارب بين الصياغتين: نص النفري (ولتحدق بك النجوم الثابتة وسيري تحت السحاب، واطلعي على قعور المياه ولا تطلعي في المشرق وقفي للظل… فانت وجهي الطالع من كل وج.
ولا تنامي ولا تستيقظي حتى آتيك).
– مخاطبة وبشارة وإيذان الوقت – نص أدونيس: زحزحي نجومي الثابتة، واستلقي تحت سحابي وفوقه – في أغوار الينابيع وذرى الجبال – عالية، عالية، عالية صيري وجهي الطالع من كل وجه.
شمسا لا تطلع من الشرق، ولا تغيب في الغرب ولا تستيقظي ولا تنامي.
نص النفري: وقال يا نور، انقبض وانبسط وانطو وأنتشر واختف واظهر، ورأيت حقيقة، لا أنقبض وحقيقة لا أقبض، وحقيقة يا نور انقبض – موقف نور نص أدونيس وقلت ايها الجسد، انقبض وانبسط وأظهر واختف، فأنقبض وانبسط وظهر واختفى.
(تحولات العاشق) نص النفري ووقف في الظل وقال لي: تعرفني ولا أعرفك، فرأيته كله يتعلق بثوبي ولا يتعلق بي – وقال هذه عبادتي – ومال ثوبي قال لي: من أنا؟ فكسفت الشمس القمر وسقطت النجوم وخمدت الأنوار وغشيت الظلمة كل شيء سواه – ولم تر عيني ولم تسمع أذني، وبطل حسي، ونطق كلّ شيء، فقال الله أكبر، وجاء في كل شيء وفي يديه حربة، فقال لي: اهرب فقلت، إلى أين؟ فقال، قع في الظلمة، فوقعت في الظلمة فابصرت نفسي، فقال لي لا تبصر غيرك أبدا، ولا تخرج من الظلمة أبدا.
– موقف من أنت ومن أنا – نص أدونيس ورأيت ثوبي يميل عني والظلام يغشاني طلع مني العالم صارخا كالحربة أهبط عميقا في الظلمة ووقعت في الظلمة وألتقيت بك ورأيت نفسي وقلت سأبقى في الظلمة ولن أخرج.
– تحولات العاشق – نص النفري فإذا سميتك فلا تتسّم – موقف الفقه – نص ادونيس قلنا لا تسّمنا لمن يسمّى – تحولات العاشق – نص النفري:
واجتمع عليّ بأقاصي.
القلوب لا تهجم علي – موقف الموعظة – موقف قلوب العارفين – نص أدونيس وأهجم عليك بقلبي… أجمع أقاصي همومي – تحولات العاشق – نص النفري: وشجر الحروف الأسماء، الحرف يسري – موقف التذكرة – نص أدونيس كان اسمها يسير صامتا في غابة الحروف نص النفري اطلعي أيتها الشمس المضيئة، فقد سلخت الليل وترين نوري كيف يزهر.
انفسحي يا محصورة فقد أطلق أسرك.
وأزف ميقات ظهوري وتنزل البركة وتنبت شجرة الغنى في الأرض – مخاطبة وبشارة إيذان الوقت نص أدونيس تقوم تنفسح الحدود المحصورة ينطلق الأسر الشمس التي أوقضناها تنبسط على كل شيء ونرى نورها يزهر.
وتقول نبتت شجرة الروح في الأرض – تحولات العاشق – نص النفري دخلت معه الى قبره فضاق به.
ارفع الحجاب بيني وبينك.
– موقف الاعمال – نص أدونيس وسأنزل معك إلى القبر.
بيني وبينك حجاب ولن تريني – تحولات العاشق – نص النفري أفل الليل وطلع وجه السحر وقام الفجر على الساق، فاستيقظي أيتها النائمة.
-موقف واحل المنطقة نص أدونيس النهار يعلن الليل استيقظي – تحولات العاشق – نص النفري إن كان مأواك القرب فرشته لك – موقف القرب – نص أدونيس افرشه لك غبارا وقبرا.
– تحولات العاشق –.
ما يهمني هنا هو طريقة صياغة النفري لنصوصه، التي هي بلا شك قصائد نثر، والدليل هذا التقارب في الصياغة، الذي وصل إلى التطابق بين أسلوب النفري وأسلوب أدونيس، حيث حملت نصوص أدونيس الخصائص الفنية ذاتها لنصوص النفري، وهذا يحيلنا إلى بداية هذه الدراسة، هو أنّ قصيدة النثر ليست جنساً غربيّاً مستوردا، بل هي قصيدة تراثية عربية خالصة، وما نصوص النفري هذه إلا شاهد حيًّ على استنتاجنا هذا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك