في غفلةٍ منّي…طار القلب، لا كطائرٍ يعرف وجهته، بل كورقةٍ خفيفةٍ حملتها ريح الذكرى إلى مذكرةٍ صغيرةٍ كانت تختبئ في زاوية الروح.
هناك… توغّلتُ عميقًا في طفولةٍ لا أستدعيها إلا فتنهض أمامي دفعةً واحدة، كجيشٍ من الصور، كضوءٍ قديمٍ يقتحم عتمة الحاضر.
أرى الغابة وأسمع ضحكاتنا وهي تتدحرج بين الأشجار.
أرى كرةً بائسةً من قماشٍ أو بلاستيك، لكنها كانت عندنا أعظم من كأس العالم.
كنا نركض خلفها كأننا نركض خلف الخلود.
حجرتان متوسطتا الحجم تفصل بينهما أمتار قليلة… هما شباكنا، وهما مجدنا، وهما حدود العالم.
لم يكن يمنعنا من عشقها إلا الليل.
ليل القرية المنكوبة… بلا أعمدة إنارة، بلا شفقة، وحين نعود إلى دار الطالب، لا نعود إلا لنحصي آثار المعركة على أجسادنا: ركبةٌ دامية، كفٌّ مخدوشة، كاحلٌ ملتوي.
نتحسس الألم كما يتحسس المحارب سيفه، ثم نبتسم… لأننا لعبنا.
“ستون ريالًا” كانت تصنع معجزة، فقد كنا نجمع الدراهم كما تُجمع الأحلام، ونقسم الفرق، ونقسم الأيمان الثقيلة:
– والله لن تنتصروا ولو بُترت أرجلنا!
قسمٌ بريء، لكنه كان يملأ السماء رهبةً وجلالًا.
نستيقظ على شمسٍ تتسلّق الجبل الجاثم على صدر القرية، تبسط أشعتها على أجسادنا النحيلة.
فطورنا عبارة عن فنجان قهوة بارد، وقطعة خبزٍ تعبث بها الحشرات كأنهم شركاء في الوجبة.
كنا نأكل لنُخرس جوعًا متوحشًا، لا لنستمتع.
بعضنا كان يصوم قهرًا، لا تعبّدًا.
نحمل أكياسًا بلاستيكية سوداء، ندّخر فيها دفاترنا وأحلامنا معًا، ونمشي إلى الهضبة المستوية حيث ملعبنا الأسطوري، فيما أفواهنا تُطلق بخارًا في الصباح البارد، ووجوهنا ترتجف، لكن أعيننا… كانت تشتعل.
الحكم صديقٌ حتى يخسر فريقه والهدف قذيفةٌ مدفعية تُشعل الحرب الصغيرة بيننا، والفوز يعني دراهم تفرّ فورًا إلى المقهى، لنشتري بها لقمةً تسدّ الرمق وتُطفئ برد الحياة.
ثم هناك… عبد القادر، الرجل القصير بأنفٍ يشبه منقار نسر، كأنه خُلق ليشمّ رائحة فرحنا ويصادره.
كان يأخذ الكرة كما تُؤخذ غنيمة حرب.
نتحلق حوله، نرجوه بصوتٍ واحد:
“الله يرحم ليك الوالدين، غير هاد المرة…”.
فيردّ بوعيدٍ ثقيل، حيث تتساقط كلماتنا عند قدميه كما تتساقط أحلامنا الصغيرة.
كنا نُسجَن ليلًا، ونُطرَد نهارًا حيث لا مقام لنا في الداخل، ولا ملجأ لنا في الخارج، ونحن نبحث عن فسحةٍ في الغابة، عن شجرة سنديان، عن بحيرةٍ تطوّقها أشجار الكاليبتوس والريحان، عن لحظةٍ نخلع فيها ثياب القهر ونرتمي في الماء البارد لننسى.
لكن حتى الماء لم يكن لنا.
ذات يوم، انهمرت الحجارة علينا كأن السماء قررت أن تمطر غضبًا.
دوّى انفجارٌ، ثم آخر، وفقاعات الدم امتزجت بسطح البحيرة.
رعاةٌ يقذفوننا بحقدٍ بلا سبب… سوى أننا كنا نضحك.
هربت سباحةً…ثم سقطت، قبل أن أستيقظ على طعم الدم، وعلى وجوه أصدقائي تلتف حولي كحلقة نجاة.
لفّوا كيسًا بلاستيكيًا حول رأسي كضمادٍ مرتجل، وزحفتُ تحت شجرةٍ وارفة، أتنفس الألم كما يتنفس الغريق آخر هواء ثم عدنا إلى القرية المنكوبة…إلى دار الطالب، إلى حيث يوجد عبد القادر… إلى الحياة التي كانت تضيق بنا كلما اتسعت أحلامنا.
واليوم، حين يداهمني الشرود، لا أرى الفقر فقط… ولا القسوة فقط….
أرى أولئك الصبية الذين كانوا يركضون خلف كرةٍ رخيصةٍ كأنها الشمس، يضحكون رغم الجوع، ويتحدّون العالم بحجرتين منصوبتين على أرضٍ صلبة.
أدرك الآن أننا لم نكن نلعب كرة القدم فحسب، فقد كنا نتمرّن على الحياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك