في سعيٍ لمقاربة “طقس حفلة الصدقة”، أثارني دور الفقهاء في هذا النوع من الطقوس الاجتماعية.
ففي المجتمعات التي تتكثف فيها الطقوس، لا يبقى الدين مجرد إيمان فردي صامت، بل يتحول إلى ممارسة جماعية تُدار، تُنظَّم، ويُعاد إنتاجها عبر أشخاص محددين.
بعد أن يفرغ الفقيه من قراءة ما تيسّر من القرآن، يسود صمت قصير، كأنه استراحة بين الأرض والسماء.
في تلك اللحظة، يتقدم أحد الحاضرين نحوه.
يقترب بخطوات مترددة، يمد يده بخفة، يضع في كفّه ورقة نقدية مطوية بعناية.
يهمس أحيانًا، أو يجهر دون حرج، فالأمر سيّان: “عفاك دعي ليا مع أولادي… مع والديّ… الله يرحم ليك الوالدين”.
يميل الفقيه قليلًا، يصغي للاسم، يعيده بصوت مسموع، ثم يشرع في الدعاء.
لا يكون الدعاء عامًا هذه المرة، بل شخصيًا، محددًا، مُعنونًا باسم بعينه.
يذكر الاسم، ويبدع في نسج عبارات الرجاء، ويُؤمّن الجمع خلفه.
تتحول الحاجة الفردية إلى مشهد جماعي، ويصير الهمّ الخاص قضية مشتركة.
لم يكد ينتهي حتى يتقدم آخر بالطريقة نفسها.
المال يُسلَّم، الاسم يُهمَس، والدعاء يُعاد إنتاجه.
يتكرر المشهد، لا كاستثناء، بل كجزء طبيعي من الطقس.
وكأن الدعاء العام لا يكفي، وكأن لكل ألمٍ توقيعًا يحتاج إلى أن يُنطق به أمام الجماعة.
في المغرب، كما في مجتمعات إسلامية أخرى، لم يعد الدعاء فعلًا شخصيًا خالصًا يُهمس به في خلوة القلب فقط، بل أصبح في كثير من السياقات طقسًا علنيًا يؤديه الفقيه بالنيابة عن الجماعة، وأحيانًا بمقابل مادي.
هنا يبرز السؤال المقلق: حين يصبح الدعاء مهنة، هل يعني ذلك أن الفقيه أقرب إلى الله؟ أم أن الناس باتوا يشعرون أنهم أبعد؟النص الديني يؤسس لعلاقة مباشرة بين العبد وربه.
لا وسيط، لا حجاب، لا مؤسسة تحتكر الطريق إلى السماء.
الفكرة المركزية واضحة: القرب الإلهي ليس امتيازًا طبقيًا ولا وظيفة اجتماعية.
لكن المجتمع لا يعيش النص في تجرده، بل يعيد تأويله داخل بنياته الرمزية.
وهنا تبدأ المسافة بين المبدأ والممارسة.
في طقوس الصدقة، في المواسم، في الولائم الدينية، يتصدر الفقيه المشهد.
يقرأ، يدعو، يرفع صوته باسم الجماعة.
يصبح الدعاء لحظة جماعية تتكثف فيها الرغبة في البركة والحماية والرزق.
ومع الزمن، يتشكل تصور ضمني: دعاء الفقيه “أقوى”، “أرجى للقبول”، “أقرب للإجابة”.
ليس لأن النص يقول ذلك صراحة، بل لأن المخيال الاجتماعي ينتج هذه الفكرة ويعيد تثبيتها.
يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال ما أشار إليه Émile Durkheim حين اعتبر أن الطقوس لا تعكس القداسة فقط، بل تُنتجها جماعيًا.
فحين يجتمع الناس حول صوت واحد يدعو باسمهم، فإنهم لا يكتفون بطلب البركة، بل يصنعون شعورًا جماعيًا بالقوة والتماسك.
الدعاء هنا لا يعمل فقط في السماء، بل يعمل في النفوس.
إنه يعيد طمأنة الجماعة إلى نفسها.
لكن المسألة لا تتوقف عند البعد الرمزي.
فمع الوقت، يتشكل نوع من “التخصص الديني”.
الفقيه يمتلك المعرفة بالنص، حسن التلاوة، القدرة على الصياغة البلاغية للدعاء.
هذا يمنحه سلطة رمزية قريبة مما وصفه Max Weber بالشرعية الدينية؛ شرعية تقوم على الاعتراف الاجتماعي بكفاءته الروحية.
وهنا يتحول الدعاء من ممارسة عامة إلى خدمة يؤديها “مختص”.
حين يُمنح مقابل مادي لهذا الدور، يتعقد السؤال أكثر.
هل هو أجر على وقت وجهد ومعرفة؟ أم هو تسليع للبركة؟ أم هو ببساطة شكل من أشكال التبادل التقليدي الذي عرفته المجتمعات الدينية منذ قرون؟ الواقع أكثر تركيبًا من ثنائية الحلال والحرام.
نحن أمام ما يمكن تسميته “اقتصاد الرمزي”، حيث تتحول البركة إلى قيمة اجتماعية قابلة للتداول، لا بمعنى البيع الفج، بل ضمن شبكة من الأعراف والتوقعات المتبادلة.
غير أن أخطر ما في الظاهرة ليس المقابل المادي ذاته، بل التحول النفسي الكامن خلفه.
حين يعتقد الناس ضمنيًا أن دعاءهم الفردي أقل شأنًا من دعاء الفقيه، فإنهم ينسحبون خطوة إلى الخلف في علاقتهم المباشرة مع الله.
لا لأنهم فقدوا الإيمان، بل لأنهم أعادوا تعريف أدوارهم داخله.
يصبح الفقيه هو “الناطق الرسمي” باسم حاجاتهم، ويصبحون هم جمهورًا يؤمِّن على صوته.
هل يعني ذلك أن الفقيه أقرب إلى الله؟ ليس بالضرورة.
القرب في التصور الديني ليس رتبة اجتماعية.
لكنه قد يعني أن المجتمع منحه موقعًا أقرب إلى مركز الطقس، لا إلى مركز السماء.
الفارق دقيق لكنه جوهري.
فالمكانة الطقسية ليست دليلًا على امتياز روحي، بل على وظيفة اجتماعية.
وفي المقابل، هل ابتعد الناس عن الله؟ ربما لم يبتعدوا، لكنهم أعادوا توزيع أدوار القرب.
في زمن يتزايد فيه القلق الاقتصادي والاجتماعي، يبحث الأفراد عن طمأنينة جماعية، عن صوت مرتفع يختصر رجاءهم ويمنحه شكلًا احتفاليًا.
الدعاء الفردي صامت وهش، أما الدعاء الجماعي بصوت الفقيه فمهيب ومطمئن.
هنا يتقدم الإحساس على المبدأ.
المسألة إذن ليست في إدانة الفقيه ولا في اتهام الناس بالضعف الروحي، بل في فهم البنية التي تجعل من الوساطة الدينية حاجة اجتماعية.
الفقيه لا يحتكر مفاتيح السماء، لكنه يحتكر لحظة تمثيل الجماعة أمام نفسها.
والناس لا يعجزون عن الدعاء، لكنهم يحتاجون أحيانًا إلى من يجمع رجاءهم في صيغة واحدة.
حين يصبح الدعاء مهنة، لا تتحول السماء إلى مؤسسة، بل يتحول المجتمع إلى مسرح رمزي تتوزع فيه الأدوار.
السؤال الحقيقي ليس: من الأقرب إلى الله؟ بل: لماذا نحتاج إلى من يدعو عنا، بدل أن ندعو بأنفسنا؟ربما لأن الإنسان، في عمق هشاشته، لا يبحث فقط عن إجابة من السماء، بل عن شعور جماعي بأن السماء تسمع.
وفي تلك اللحظة، يصبح الفقيه حامل صوت، لا مالك طريق.
ويبقى القرب — كما كان دائمًا — علاقة لا تُشترى، ولا تُفوَّض، بل تُعاش.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك