يشكل إعداد دليل مرجعي لأثمان العقارات والحقوق العينية في إطار مساطر نزع الملكية لأجل المنفعة العامة تحولا تنظيميا عميقا يندرج ضمن مراجعة القانون رقم 7.
81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت.
المبادرة تؤكد توجها تشريعيا واضحا يروم ضبط منهجية التقييم، وتقليص مساحات التقدير غير المؤطر، وإرساء معايير موحدة تستند إلى بيانات سوقية دقيقة.
وعليه فإن النقاش الدائر حول هذا المستجد يتجاوز البعد التقني ليطال جوهر العلاقة بين الإدارة والمالك في سياق دولة القانون.
من حيث المبدأ، يظل حق الملكية من الحقوق المضمونة دستوريا بمقتضى دستور المملكة المغربية، الذي قرن جواز نزع الملكية بشرط المنفعة العامة والتعويض العادل والمنصف.
هذا الربط يؤسس لمعادلة دقيقة قوامها تحقيق المصلحة العامة مع صيانة الحقوق الفردية.
غير أن التجربة العملية أبانت عن وجود تفاوتات ملموسة في تقدير التعويضات، سواء بين المجالات الترابية أو بين الملفات المتشابهة.
هذا التباين أكد الحاجة إلى إطار مرجعي معلن يحقق قدرا أكبر من الانسجام والوضوح.
وعلى هذا الأساس، فإن اعتماد دليل رسمي محين سنويا ونشره في الجريدة الرسمية يشكل خطوة مؤسساتية ذات أثر مباشر على الأمن القانوني.
فالمرجع المعلن يعزز الشفافية، ويمكن المالك من الاطلاع المسبق على الأسس المعتمدة في التقييم، كما يتيح للإدارة التحرك ضمن ضوابط محددة سلفا.
ثم إن توحيد المنهجية يقلص النزاعات الناتجة عن اختلاف التقديرات، ويخفف العبء عن القضاء، ويحد من الشعور بالغبن الذي كان يغذي عددا من الطعون.
غير أن فعالية هذه الآلية تظل رهينة بمنهجية إعدادها.
فإذا استند الدليل إلى معطيات سوقية حقيقية، وأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الموقع، وطبيعة الاستعمال، والقابلية العمرانية، والتجهيزات المتوفرة، والقيود القانونية، فإنه سيشكل أداة دقيقة لتقريب التعويض من القيمة الفعلية.
أما إذا اعتمد مقاربات عامة أو أرقاما جامدة لا تواكب تحولات السوق، فإن الهدف المنشود سيفقد مضمونه، وسيتحول الدليل إلى مجرد إجراء شكلي.
ومن ثم يبرز عنصر التحيين السنوي كضمانة أساسية.
السوق العقارية تعرف دينامية مستمرة، تتأثر بالتحولات الاقتصادية والاستثمارية والعمرانية.
لذلك فإن تثبيت مرجع غير محين يؤدي حتما إلى فجوة بين القيمة النظرية والقيمة الواقعية.
التحيين المنتظم يؤكد مواكبة التطور، ويمنع اعتماد تقديرات متجاوزة زمنيا، ويصون مبدأ التعويض المناسب من التآكل.
علاوة على ذلك، ينبغي التأكيد على أن الدليل المرجعي لا يحل محل الخبرة القضائية، وإنما يؤطرها.
القضاء يظل الجهة المخولة للفصل في النزاع وتقدير التعويض النهائي عند الطعن.
الإبقاء على إمكانية الاستعانة بخبرة مضادة، وتمكين المالك من مناقشة عناصر التقييم، يشكلان ضمانتين إجرائيتين جوهريتين.
فالحكامة لا تقوم على مرجع رقمي فحسب، وإنما على منظومة متكاملة تشمل الشفافية، وحق الدفاع، وسرعة البت.
ومن زاوية أخرى، فإن تقليص السلطة التقديرية الواسعة للإدارة عبر مرجع معلن يسهم في توحيد الممارسة ويحد من التفاوت بين الملفات.
التقدير غير المؤطر كان يفتح المجال لاختلافات واسعة تثير الريبة وتضعف الثقة.
أما حين تخضع العملية لمعايير مضبوطة ومعروفة سلفا، فإن عنصر التوقع المشروع يتحقق، ويشعر المالك أن المسطرة تسير وفق قواعد واضحة.
ثم إن إشراك المتدخلين في إعداد هذا الدليل يعزز مصداقيته.
الإدارات المعنية، والجماعات الترابية، ومهنيّو التقييم العقاري، وهيئات الخبراء، والموثقون، فضلا عن الفاعلين الحقوقيين، جميعهم معنيون ببناء مرجع متوازن.
المقاربة التشاركية تؤكد قبول الآلية اجتماعيا ومؤسساتيا، وتمنحها شرعية عملية تتجاوز النص القانوني.
وعليه، فإن الحكامة في تثمين العقار المنزوع تتأسس على ثلاث ركائز مترابطة: مرجعية واضحة، ضمانات إجرائية فعالة، وتحيين مستمر يواكب السوق.
هذه الركائز إذا تكاملت تحقق هدفين متلازمين؛ أولهما تمكين الدولة من إنجاز مشاريع المنفعة العامة في إطار من الوضوح والاستقرار، وثانيهما صون حق الملكية من أي مساس غير منضبط، كما يشكل الدليل المرجعي خطوة إصلاحية ذات بعد تنظيمي عميق، تؤكد انتقالا من منطق التقدير المتفرق إلى منطق التوحيد المؤطر.
غير أن نجاح هذا الورش يظل مرتبطا بجودة تنزيله، ودقة معاييره، وفعالية آليات الطعن والمراقبة.
بذلك فقط تتحقق المعادلة المتوازنة بين مقتضيات التنمية ومتطلبات العدالة، ويتعزز الأمن القانوني في أحد أكثر المجالات حساسية وتعقيدا.
إضافة إلى ما سبق، يثير هذا المستجد سؤالا جوهريا يتعلق بمفهوم العدالة التقديرية في المادة العقارية.
فالتعويض في مساطر نزع الملكية لا يرتبط بقيمة مالية مجردة، وإنما يتصل بمركز قانوني واجتماعي واقتصادي متكامل.
العقار قد يكون مصدر رزق، أو وعاء استثمار، أو امتدادا عائليا متجذرا في الذاكرة.
لذلك فإن تثمينه ينبغي أن يعكس هذه الأبعاد في حدود ما يسمح به القانون.
الدليل المرجعي، إذا أُحسن بناؤه، يمكن أن يستوعب هذا البعد المركب من خلال تصنيفات دقيقة تأخذ في الحسبان طبيعة الاستعمال، والمردودية، والتموقع، والارتباط بالشبكات والبنيات التحتية.
ومن الناحية العملية، فإن توحيد منهجية التقييم يسهم في الحد من التفاوتات المجالية التي كانت تثير كثيرا من الجدل.
إذ كثيرا ما سجلت فروق ملحوظة بين تقديرات عقارات متقاربة من حيث الخصائص، بسبب اختلاف اللجان أو تباين المقاربات المعتمدة.
هذا الواقع كان يولد شعورا بعدم الاتساق، ويغذي الطعون القضائية.
أما حين يستند التقييم إلى قاعدة بيانات وطنية مضبوطة، فإن عنصر الانسجام يترسخ، ويصبح الاختلاف محصورا في الجزئيات المبررة لا في الأسس العامة.
ثم إن البعد المالي لهذا الإصلاح لا يقل أهمية عن بعده الحقوقي.
فاعتماد مرجع واضح يمكن الإدارة من برمجة الاعتمادات المالية بدقة أكبر، ويجنبها مفاجآت مرتبطة بإعادة التقييم بعد المنازعة.
التخطيط المالي الرشيد يتطلب وضوحا في تقدير الكلفة، خصوصا في المشاريع الكبرى ذات الامتداد الترابي الواسع.
من هنا يتأكد أن الحكامة في التعويض تسهم كذلك في ترشيد الإنفاق العمومي وتعزيز النجاعة.
وفي السياق ذاته، ينبغي التأكيد على أن المرجع المعلن يعزز مبدأ المساواة أمام القانون.
فالمعيار الموحد يمنع التمييز غير المبرر بين ملاك في وضعيات متشابهة، ويكرس قاعدة عامة تطبق على الجميع وفق ضوابط موضوعية.
هذه المساواة تعزز الثقة في المسطرة، وتحد من الإحساس بالانتقائية أو المحاباة الذي قد ينشأ في ظل غياب معايير شفافة.
غير أن أي مرجع، مهما بلغت دقته، يظل عرضة للنقاش العلمي والمهني.
لذلك فإن إرساء آلية لتقييم الدليل ذاته بشكل دوري يعد ضرورة منهجية.
يمكن تصور لجنة تقنية متعددة الاختصاصات تتولى رصد مدى انسجام القيم المرجعية مع تطور السوق، وتقترح التعديلات اللازمة بناء على مؤشرات دقيقة.
بهذا الأسلوب يتحول الدليل إلى أداة دينامية قابلة للتطوير، لا إلى نص جامد يكرر أرقاما دون تمحيص.
ومن جهة أخرى، فإن رقمنة هذا المرجع وإتاحته عبر منصات إلكترونية رسمية سيسهم في تسهيل الولوج إلى المعلومة.
الشفافية اليوم تقترن بالوصول السريع والواضح إلى البيانات.
تمكين المالك أو المستثمر أو الباحث من الاطلاع على القيم المعتمدة في منطقته يعزز وضوح الرؤية، ويقلل من الإشاعات والتقديرات غير الدقيقة.
كما أن الربط بين هذا الدليل والخرائط الرقمية والبيانات العقارية الممسوكة لدى المحافظات العقارية يفتح أفقا لتكامل مؤسساتي فعال.
إلى جانب ذلك، ينبغي معالجة مسألة الآجال القضائية في منازعات التعويض.
فحتى مع وجود مرجع واضح، قد تنشأ اختلافات حول التطبيق أو حول خصوصية عقار معين.
هنا تبرز أهمية البت السريع في الطعون، لأن طول أمد النزاع قد يتحول إلى عبء اقتصادي ونفسي على المالك.
الحكامة الإجرائية تتطلب مساطر مبسطة، وجدولة زمنية معقولة، وتمكينا فعليا من الخبرة المضادة عند الاقتضاء.
كما أن التوعية القانونية تظل عنصرا مكملا لهذا الإصلاح.
نشر الدليل في الجريدة الرسمية يحقق العلنية القانونية، غير أن تبسيط مضامينه وشرح آليات اعتماده عبر دلائل تفسيرية أو لقاءات تواصلية يعزز الفهم العملي له.
كلما كان المواطن مدركا لأسس التقييم، تقلص هامش سوء الفهم، وارتفع مستوى الثقة في المسطرة.
ومن زاوية أوسع، فإن هذا الورش يعكس تحولا في فلسفة تدبير نزع الملكية.
الانتقال من تقدير ظرفي إلى مرجعية مؤطرة يعبر عن وعي مؤسساتي بأهمية التوقع والاستقرار.
التنمية تحتاج إلى أدوات قانونية واضحة، والاستثمار العمومي يستند إلى بيئة قانونية مستقرة.
حين تتضح القواعد، يصبح تنفيذ المشاريع أكثر سلاسة، ويتراجع منسوب التوتر المصاحب لعمليات النزع.
ومع ذلك، يبقى من الضروري التأكيد على أن التعويض العادل لا يختزل في رقم مالي، وإنما يقترن بإجراءات تحترم الكرامة وتضمن الاستماع إلى المعنيين.
الحوار المسبق، والإخبار الواضح، وإتاحة الوثائق، كلها عناصر تؤكد أن المسطرة تدار بروح تشاركية لا بروح إملائية.
هذا البعد الإنساني يعزز الحكامة ويمنحها بعدا قيميا.
في النهاية، يتبين أن الحكامة في تثمين العقار المنزوع مشروع متكامل الأبعاد؛ قانوني في أسسه، مالي في انعكاساته، حقوقي في غاياته، وتنظيمي في آلياته.
نجاحه مرهون بتكامل هذه المستويات، وبالتزام فعلي بتطبيق المعايير المعلنة دون انتقائية.
حين يتحقق هذا التكامل، يصبح الدليل المرجعي أداة لتحقيق التوازن، ويغدو التعويض تجسيدا فعليا لمبدأ الإنصاف الذي يشكل جوهر دولة القانون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك