ليست المفارقة التي يعيشها المجتمع المغربي اليوم مفارقة بين قيم معلنة وأخرى غائبة، بل هي مفارقة بنيوية بين خطاب معياري متقدم وبنيات اجتماعية تتحرك بإيقاع أبطأ.
فالوثائق الدستورية والتربوية تؤكد مركزية الهوية الوطنية الجامعة، وتقر بالتعدد الثقافي واللغوي والاجتماعي باعتباره مكونا تأسيسيا للكيان المجتمعي، غير أن الممارسة اليومية تكشف استمرار آليات تصنيف رمزي ترتب الأفراد ضمن تراتبيات خفية مرتبطة بالأصل الاجتماعي أو الانتماء المجالي أو الرأسمال الاقتصادي.
لا يتعلق الأمر بانحراف أخلاقي عرضي، بل باستمرار اشتغال بنى عميقة تعيد إنتاج التفاوت داخل مجتمع يعلن رسميا مساواته، فيما يواصل عمليا توزيع القيمة بشكل غير متكافئ.
يتيح لنا التحليل السوسيولوجي، كما بلوره بيير بورديو، فهم هذه الدينامية من خلال مفاهيم “الرأسمال الرمزي والهابيتوس وإعادة الإنتاج”.
فالمجتمع لا يوزع الموارد المادية فحسب، بل يوزع أيضا الاعتراف الاجتماعي، أي ما يمنح الأفراد شرعية الوجود داخل الفضاء العمومي.
حين يتحول الانتماء المجالي أو الطبقي إلى رصيد رمزي إيجابي أو سلبي، يفقد الاختلاف طابعه الأفقي ويتحول إلى سلم عمودي للقيمة.
والأخطر أن هذه العملية لا تمارس بوصفها تمييزا معلنا، بل باعتبارها بديهية اجتماعية تستبطنها الذهنيات وتعيد إنتاجها الممارسات.
فالهابيتوس، كبنية إدراكية متجذرة، يطبع الأفراد على قبول تصنيفات تبدو طبيعية، بينما هي في حقيقتها نتاج تاريخ طويل من التراكمات الاجتماعية [1].
ويتقاطع هذا التحليل مع تصور إميل دوركايم للوقائع الاجتماعية باعتبارها أنماطا من الفعل والتفكير تمارس سلطة قهرية خفية على الأفراد [2].
فالتصنيفات لا تختار بوعي كامل، بل تكتسب عبر التنشئة وتترسخ عبر اللغة اليومية، والنكتة العابرة، وأنماط التقييم المدرسي والتوجيه المهني.
السخرية من لهجة معينة أو التشكيك في كفاءة شخص بسبب أصله ليست انحرافات فردية معزولة، بل أعراض لبنية تصنيفية أعمق تشتغل في مستوى اللاوعي الجمعي.
في المجتمع المغربي، تتخذ هذه البنية شكلا مركبا حيث يتداخل البعد الطبقي مع البعد المجالي ضمن ثنائية مركز/هامش تشتغل داخل المخيال الاجتماعي.
فالمركز لا يختزل في جغرافيا، بل يتحول إلى حامل ضمني للشرعية والمعيار، في حين يختزل الهامش في صورة النقص أو الحاجة إلى إثبات الذات.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم المخيال الاجتماعي كما صاغه كورنيليوس كاستورياديس، إذ إن المجتمع لا ينتظم فقط عبر قوانينه، بل عبر المعاني التي يمنحها لنفسه [3].
وفي هذا المستوى الرمزي تتعايش سردية رسمية عن التعدد مع تمثلات ضمنية تعيد ترتيب هذا التعدد في سلم غير معلن.
ويتعمق هذا التوجه إذا استحضرنا قراءة فرانز فانون لمجتمعات ما بعد الاستعمار، حيث تستمر التراتبيات الرمزية حتى بعد زوال السيطرة السياسية [4].
فالتحرر القانوني لا يستتبع تلقائيا تحررا للمخيال؛ إذ قد يعاد إنتاج نموذج مركزي للحداثة يقاس به الأفراد ضمنيا، ويصنفون بحسب قربهم أو بعدهم عنه.
هكذا يصبح الاختلاف مسافة رمزية عن معيار متخيل، وتغدو المساواة القانونية إطارا شكليا لا يمس البنية العميقة للتمثلات.
في هذا الأفق يتخذ سؤال الاعتراف بعدا حاسما.
فوفق تصور أكسل هونيث، لا تقوم العدالة الحديثة على توزيع الحقوق فحسب، بل على توزيع الاحترام والتقدير الاجتماعي [5].
إن الإقصاء الرمزي، حتى حين لا يترجم إلى حرمان قانوني مباشر، يخلف جروحا في الكرامة ويقوض الإحساس بالانتماء.
ومن دون اعتراف متكافئ بالقيمة، يظل الخطاب الوطني حول الوحدة هشا، لأنه لا يجد تجسيده في التجربة اليومية للأفراد.
تغدو المدرسة، في هذا السياق، أحد أهم فضاءات إعادة الإنتاج أو التفكيك.
فقد بين بورديو وباسرون أن المؤسسة التعليمية قد تعيد إنتاج المعايير الثقافية المهيمنة تحت غطاء الحياد [6].
فحين تقرأ القدرات عبر مرشحات اجتماعية مسبقة، أو يوجّه بعض التلاميذ ضمنيا نحو مسارات محددة بدعوى “الملاءمة الواقعية”، يتحول التوجيه إلى أداة لإعادة توزيع الطموح لا لاكتشافه.
بذلك تنتقل التراتبية من المجال الرمزي إلى مسارات الحياة ذاتها.
غير أن أخطر ما تنتجه هذه البنية ليس التفاوت في حد ذاته، بل ترسيخ اعتقاد ضمني مفاده أن النجاح امتياز طبيعي لمن ينتمي إلى المركز، وأن الهامش مجال للاستثناء لا للقاعدة.
يستقبل نجاح المنتمي إلى الهامش أحيانا بوصفه حدثا غير متوقع، بل قد يواجه بمقاومة صامتة، لأنه يخلخل سردية راسخة حول من يملك شرعية التفوق ومن يفترض أن يظل في موقع التلقي.
هكذا تتحول المركزية الرمزية إلى معيار غير مرئي يعيد ترتيب القيمة حتى في لحظات الإعلان عن تجاوزها.
إن مساءلة هذه العقلية لا تعني إدانة جهة أو تمجيد أخرى، بل تفكيك البنية التي تجعل من الانتماء معيارا خفيا للحكم.
فالسؤال الحقيقي ليس من أين يأتي الفرد، بل كيف نشكل وعينا بالقيمة.
ومن يملك سلطة تعريف “الطبيعي” و”المستحق”؟ وهل نقيس الأفراد بما ينجزونه فعلا، أم بما تعودنا أن نتوقعه منهم؟الاختلاف ليس أزمة في ذاته؛ الأزمة تكمن في تحوله إلى معيار تفاضلي صامت.
وبين النصوص المعيارية والبنيات العميقة يمتد مجال الفعل السوسيولوجي، حيث يصبح تحرير المخيال من محوره الرمزي شرطا لإعادة توزيع الاعتراف على أساس الجدارة الفعلية لا الانتماء المسبق.
وعندئذ فقط يمكن للهوية الوطنية أن تغادر مستوى الشعار إلى مستوى التجربة المعيشة.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل نمتلك الشجاعة المعرفية لمساءلة مركزيتنا الرمزية، أم سنظل نعيد إنتاجها ونحن نعلن تجاوزها؟____________________________________________________________________________________.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك