تُعَدّ لوحات الفنانين الغربيين عن الشرق العربي الإسلامي مرحلة مهمة في ما يمكن تسميته التاريخ البصري والجمالي للمجتمعات الشرقية، فلا شك أن لوحات الفنانين الأوروبيين حفظت لنا الكثير من مظاهر الحياة، وأنشطة الإنسان العربي في المدن والأرياف، والبوادي والحواضر، فعندما نتأمل هذه اللوحات، بكل ما فيها من جماليات، نكتشف كثيرا من التفاصيل التي حفظتها بألوان زاهية، ولقطات نوعية، وزوايا دقيقة.
وبغض النظر عن الموضوعات التي تناولها الفنانون في لوحاتهم، فإننا رأينا الشرق بعيون غربية، احتفت بالإنسان العربي والعمارة والبيوت والأسواق، ما يطرح جملة من الأسئلة، أهمها سؤال: لماذا اهتم الغرب بمعرفة الشرق، وسعى إلى تصوير واقع الحياة فيه؟ والسؤال يتعلق بالعصر الحديث، بدءا من القرن السابع عشر، وإلى القرن العشرين، أي حوالي أربعة قرون، هذا من ناحية الحقبة الزمنية، أما البعد الجغرافي، فهو يشمل كل أنحاء العالم الإسلامي، والممتد من أواسط آسيا شرقا، وإلى المغرب وحدود الأطلسي غربا، وهي مساحة هائلة، رغم قربها الجغرافي من أوروبا، فهي ملاصقة للقارة الأوروبية، ولكن ظلت المخيلة والذائقة الأوروبية في شوق للتعرف على عالم الشرق: ملابسه، وعاداته، وعمرانه، ونسائه.
إن السؤال المتقدم يدفعنا للحفر معرفيا وتاريخيا في المفاهيم ذات الصلة بالاستشراق، وعلاقتها بالفن التشكيلي، وبعبارة أخرى، لا يمكن فصل الفن الاستشراقي عن السياق التاريخي، وعن الرغبة الغربية المبكرة في استكشاف الشرق، التي ظلت قرونا، قبل أن تنتهي إلى الحملات الاستعمارية في القرنين التاسع عشر والعشرين.
فالغرب سعى لفهم الشرق معرفيا، وتصويره بصريا، قبل أن يغزوه عسكريا، بل لا يزال يسعى إلى استمرارية الهيمنة عليه، وقد تداخلت في هذه المحاولات أبعاد دينية وتاريخية؛ تمثلت في صراعات بين الشرق والغرب، تمتد منذ الفتوحات العربية الإسلامية وانتصارها على الدولة البيزنطية، وتصفية أملاكها في الشام ومصر وشمال افريقيا، ثم مرورا بالحملات الصليبية التي استمرت زهاء قرنين، ثم فتح القسطنطينية وإسقاط ما تبقى من الدولة البيزنطية، قبل الموجة المضادة من الغرب.
والاستشراق Orientation في مفهومه اللغوي يعني التوجه نحو الشرق، أو الاهتمام بالشرق، يقال: استشرق أي طلب التوجه نحو الشرق، وانتسب إليه، وفي المفهوم الاصطلاحي يعني: طلب علوم الشرق والتخصص في معرفتها، والعالِم المستشِرق: هو المتخصص في علوم الشرق وحضارته وآثاره وفنونه.
وقد أطلق المصطلح لأول مرة في القرن السابع عشر الميلادي عام 1630، من قبل أحد أعضاء الكنيسة الشرقية، وهناك مصطلح آخر واكب مصطلحَ الاستشراقِ وهو مصطلحُ الاستعراب، والمستعرب، ويطلق على الشخص الغربي الذي يهتم بالعربية، ويحرص على معرفة ثقافتها.
يحمل هذا التعريف الاصطلاحي ضبطا في المفهوم، فيحدد مهمة المستشرق، بأنه المختص في فرع ما – أو فروع متعددة- في لغات الشرق وعلومه وثقافته وفنونه، ونرى أنه مصطلح أكثر شمولا، من مصطلح الاستعراب، لأن الأخير ينصبّ على معرفة اللغة العربية وآدابها وعلومها، أما مصطلح الاستشراق، فيشمل كل لغات الشرق مثل العربية والفارسية والتركية، إلخ، وأيضا العلوم والفنون والآداب، فهو مصطلح أكثر عمومية، ويُفضَّل استخدامه مع انتشاره وترسخه أكاديميا.
فكانت مهمة الاستشراق في البداية مهمة استكشافية ثقافية، ولكن ما الشرق المقصود في المنظور الغربي؟ هل هو فقط المجتمع العربي والإسلامي؟لا شك أن مفهوم الاستشراق في الفكر الغربي نابع من رغبة أوروبا في فهم المجتمعات الشرقية، فهو مصطلح مأخوذ من دائرة الجغرافيا، إلى دائرة الثقافة في معناها الواسع.
ولكن الشرق حقيقة بالنسبة للغرب، بدأ مع العالم العربي والإسلامي، لاعتبارات تخص الموقع الجغرافي القريب من أوروبا، وبحكم العداء المستحكم بين أوروبا المسيحية والشرق المسلم، والذي ظهر في مواقع جغرافية كانت فيها المواجهات الحضارية، وكلها تحيط بأوروبا، مثل: الأندلس غربا، وصقلية والشواطئ الجنوبية للبحر المتوسط جنوبا، والدولة العثمانية وحروبها ضد أوروبا شرقا، ثم اتسع ليشمل الشرق الأوسط، والأقصى، بالإضافة إلى الشرق الأدنى.
فمفهوم الاستشراق في أبعاده الجغرافية اتسع ليشمل الشعوب الشرقية عموما، التي تضم الهند، وجنوب شرقي آسيا، والصين وكوريا، ثم تخصصت دراسات بهذه المناطق، فباتت هناك الدراسات الصينية، والهندية، والكورية، أما أصل المفهوم ـ الاستشراق- فكان مقصودا به الكل، وقد أسهم هذا التيار في صياغة التصورات الغربية عن الشرق، وعن العالم الإسلامي بصورة خاصة، معبرا عن الخلفية الفكرية للصراع الحضاري بينهما.
فمع مرور الزمن، تمايزت الدراسات الاستشراقية، من أجل مزيد من التحديد الجغرافي، والهوياتي، فمثلا، إن الشرق الأقصى (الصين والهند) يختلفان في الهوية واللغة والثقافة والدين عن الشرق الأوسط والأدنى، حيث العالم الإسلامي عامة، وما فيه من تمايزات جغرافية ومكانية، كما هو في بلاد فارس، أو باكستان، أو تركيا، أو أقطار العالم العربي.
وبعبارة أخرى، فإن الاستشراق مصطلح عام، يحوي في طياته تنويعات في اللغة والمكان والثقافة، وكلها تعكس خصوصية المجتمعات فيها، خاصة على مستوى البصري، الذي عكسته لوحات الرسامين المستشرقين.
والفنون الاستشراقية صيغت غالبيتها من أجل أن يتعرف الغرب نفسه على الشرق، صحيح أن هناك رسومات أنجزت بطلب من حكام وملوك وشخصيات شرقية، ولكن الكثير منها، أبدعها الفنانون الغربيون المستشرقون وفق المنظور الغربي الشائع عن الشرق، لذا، فقد جاءت الرسوم كلها تصوّر الشرق، كما يريد أن يعرفه الغرب، وهو ما يفتح الباب لتحليل هذه الرسومات في ضوء منهجيات عديدة، ما يستدعي دراسة نظرية التحيز في الفنون Bias Theory in the Atr، وهي استراتيجية منهجية، تهدف إلى البحث في مكامن التحيزات في العلوم والمعارف عامة، وفي العلوم الإنسانية والآداب والفنون خاصة، كي لا تُقبل الفنون بكاملها، وإنما لا بد من تفعيل عناصر التحليل الدلالي والتأويلي، في ضوء السياقات التاريخية والحضارية والمعرفية.
فنحن نعجب أشد الإعجاب بكثير من لوحات الاستشراق، ونرى أنها بمثابة ذاكرة بصرية، تحفظ الكثير من المعالم المعمارية، وصفات العربيّ وأنشطته، وتشيد في الوقت نفسه بعظم ما أنجزه الفنانون المستشرقون في رسم مظاهر الحياة والعمران في أزمنة مبكرة، قبل ظهور التصوير الفوتوغرافي، وننسى أن هذه اللوحات تخفي خطابا يشيد بالغرب، وبرجاله، وبدوره الفني والتنويري، أي إعلاء النموذج الغربي بوجهه الاستعماري، وتبييض تاريخه الأسود في نهب ثرواتنا، واحتلال أراضينا، وتغييب إرادتنا، وكثير من فناني الاستشراق، كانوا على صلة بأشكال مختلفة بدوائر الاستعمار، أو على الأقل صمتوا عن جرائمه، وآخرون قدّموا فنونا زيّفت الواقع الاستعماري، وتوجهت بها إلى شعوبها في أوروبا، مخفية جرائم الاستعمار ثقافيا، وكيف أنه عمل على استلاب وعي الشعب.
ومن هنا، نقرر أن هناك حركة ترجمة لمقالات وكتب ودراسات، عرضت لأهم مقولات فكر ما بعد الاستعمار، ومبادئه، ونظرياته؛ وشكّلت تأثيرا قويا في الفكر التشكيلي العربي المضاد للاستعمار، ومثّلت إطارا مرجعيا، لمختلف الجهود والأفكار السابقة في كشف الممارسات الاستعمارية لتغييب ذاكرة الشعوب العربية البصرية، وتزييف وعيها، انتصارا لقناعات غربية تشكلت من كتابات وتصورات تراكمت في عصور سابقة نحو العالم العربي، وسعت إلى ترسيخها في الأجيال التالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك