لماذا خصص جيفري إبستين جزيرة معزولة في الكاريبي لتكون مركزا لشبكته العالمية التي استقطبت صفوة محظية من المتنفذين والمشاهير؟ وما الذي أغرى هذه النخبة العالمية البارزة في حقول السياسة والمال والشهرة والاستخبارات والنفوذ، من الرجال والنساء وبعضهم من بيوت ملكية أوربية، بأن تلوذ بجزيرة من سبعين فدانا تضم بنية تحتية مستقلة؛ ستصير ثقبا أسود يبتلع سمعتها الأخلاقية ويلطخها بالأوحال ويهدد مصائر حكومات ومؤسسات من حولها؟تمنح الجزر الصغيرة المحاطة بالماء، لمن يملكها أو يستأثر بها، إحساسًا غامرًا بالاستيلاء على المكان والسيطرة المطلقة على نطاقاته، كما توفّر ملاذات مثاليّة للإفلات من الضوابط والمروق من الالتزامات، وتعطيل سلطان القيم الّتي تسري على الشعوب والمجتمعات في البرّ البعيد.
لا عجب أن هذا التأثير متاح للتوظيف في اتجاهات شتى، مثلا عبر محاولة اتخاذ بعض الجزر موئلا لممارسات اللهو المارق الذي قد يبلغ حد الولوغ في الخطايا المغلظة وموبقات العصر، وقد يمتد المسعى إلى تخصيصها أنواعا من التطرف المسلكي العدمي، بعيدا عن حكم القانون وشرعة الحقوق، وأعراف البشر الأخلاقية والمبدئية.
كما تغري مواصفات الجزر باتخاذها سجنا للقهر أو منفى للعزل أو معسكرا للمنبوذين أو مستعمرات عقابية، ومن شأن إغراء الجزيرة هذا أن يلهم بعض الواقع على اليابس فيجري افتعاله على هذا المنوال.
لجأت سلطات استعمارية بائدة إلى نفي قادة ثورات وزعماء حركات وطنية إلى جزر نأت بهم عن التواصل مع شعوبهم، أو التأثير في جماهيرهم.
كانت جزيرة روبن في جنوب الكوكب من هذه" المستعمرات العقابية" التي اشتهرت لاحقا بأنها الجزيرة" السجن" التي سيقضي فيها القيادي نيلسون مانديلا معظم سنوات أسره الطويل قبل نهاية نظام الأبارتيد البائد، ثم صارت مزارا دبلوماسيا وسياحيا ومحمية طبيعية رؤوفة بالكائنات أيضا.
اشتهرت من" المستعمرات العقابية" جزيرة الشيطان مثلا، التي تتبع فرنسا، وتقع على مقربة من شاطئ غويانا الفرنسية في أمريكا اللاتينية، ذلك أن عزلتها مثالية لاتخاذها سجنا ومنفى في آن.
وعندما ابتغت إدارة الرئيس جورج بوش الابن سنة 2002 الالتفاف على الأنظمة القانونية الأمريكية بشأن احتجاز السجناء، وأرادت حرمان فئة معينة من الحقوق المقررة والكرامة الإنسانية لجأت إلى موقع بحري تديره في أقصى الطرف الجنوبي من جزيرة كوبا.
وجدت إدارة بوش ضالتها في غوانتانامو تحديدا، ذلك أن هذه القاعدة البحرية التي تستأجرها الولايات المتحدة منذ سنة 1903 بدت حيلة مثالية لنقل مئات أسرى الحرب من أفغانستان وحرمانهم من صفتهم هذه ومن أي حقوق أو ضوابط مقررة بشأن السجناء على التراب الأمريكي، فالرقعة مقتطعة من كوبا ببساطة.
كان من بين هؤلاء أطفال وقاصرون لم يتجاوز بعضهم سن الثالثة عشرة، وبلغت ممارسات التنكيل والتعذيب حد هلاك بعض الأسرى بعيدا عن أضواء الإعلام.
سرعان ما دخل معتقل غوانتانامو سيئ السمعة التاريخ كناية عن نمط استثنائي من الانتهاكات المزرية التي تبحث عن ملاذ لها في منطقة معزولة عن المركز المحكوم بضوابط الاحتجاز ومعايير دولة القانون.
فالمغزى أن الأنظمة الديمقراطية الحديثة التي تعتد بالتزامات قيمية وضوابط معيارية ومرجعيات مساءلة قد تتحرى دفع تجاوزات منهجية معينة إلى خارج مجال الرقابة، أو تخصص فضاءات وآليات لا تسري عليها مباديء الداخل.
لا غرابة أن الأجهزة المكلفة رسميا بأن تعمل في الظل تكون طليقة اليد نسبيا في التصرف الخارجي، على منوال" رخصة القتل" التي حازها جيمس بوند في أفلامه كغيره من طلائع الاستخبارات، ولكل فيلم منها نهاية سعيدة لا تحرض المشاهدين على تشغيل أذهانهم وضمائرهم عن صلاحيات القتل والتفجير والتآمر التي تمادى فيها" بطل الشاشة" بلا رمشة عين، معبرا عن تقاليد مجتمع الاستخبارات وسلوك عملائه على الأرض.
وبحثا عن امتياز التمادي في الظل، اشتغل إغراء الجزر في حالات عدة، كما تبين مثلا عندما أعلنت الحكومة الدانماركية في ديسمبر/ كانون الأول 2018 عن عزمها تحويل جزيرة نائية إلى مركز احتجاز فئة من طالبي اللجوء الذين ترفض استيعابهم.
استثارت المحاولة الحكومية يومها ذكريات مرعبة ارتبطت بأنظمة شمولية وفاشية وعنصرية واستعمارية داخل أوروبا وخارجها، ذهبت إلى الأطراف لاقتراف انتهاكات منهجية بعيدا عن الأنظار.
أرادت حكومة كوبنهاغن تكديس أولئك" المنبوذين" في جزيرة ليندهولم غير المأهولة الواقعة في خليج بحر البلطيق، التي تضم إسطبلات ومحرقة للحيوانات المصابة بأمراض معدية، والرسالة هي أن عليهم" أن يشعروا بأنهم غير مرغوب بهم"، كما ذكرت حينها إنغي ستوبيري، وزيرة الهجرة الدانماركية المحسوبة على أقصى اليمين.
لكن ما عجزت الدانمارك عن تطبيقه في جزيرة ليندهولم؛ بسبب الاعتراضات تكرس واقعا متضخما في معسكرات سيئة السمعة يرعاها الاتحاد الأوروبي لتكديس طالبي اللجوء في جزر وبؤر واقعة على أطرافه.
من شأن تخصيص معسكرات معزولة في بؤر التخوم وجزر الأطراف أن يَعزل منبوذي الأرض هؤلاء عن امتيازات البر الأوروبي، وأن يحجب مأساتهم الإنسانية نسبيا عن الأنظار، وأن يدفعهم بعيدا عن الاهتمام، ومن الأفضل تكديسهم في بلدان جنوب المتوسط عبر تفاهمات ثنائية ترحل ظروف البؤس والاستغلال إليها.
لكن أبعاد الواقع المتفاقم انكشفت عندما أتى حريق هائل في سبتمبر/ أيلول 2020 على معسكر موريا المخصص لطالبي اللجوء في جزيرة ليزبوس اليونانية، فشرد ثلاثة عشر ألفا من العالقين فيه قسرا، ما اضطر مسؤولين أوروبيين إلى زيارة الموقع المحترق وإظهار اكتراثهم بالوضع الذي لم يتغير جوهريا من بعد رغم تحسين البنية التحتية في المعسكر نسبيا.
هلك إبستين حسب الرواية الرسمية وبقي نموذجه قابلا للحياة.
ومما ينبغي استذكاره أن بعض الجزر المحاطة بالماء، أو ما يحاكي نموذجها الانعزالي طوعا أو قسرا على البر، تبقى شاهدة على اختلالات جسيمة تتواصل في عالم يتغنى بقيمه ويتباهى بمواثيقه بينما يخذلها في الواقع.
ظل إغراء الجزر والبؤر المعزولة يعمل في أذهان بعض النخب المتنفذة، بين تقاليد الدفع بمن لا ترغب بهم إليها، أو الرضوخ لغواية التواري عن الأنظار فيها كي تقيم هذه النخب عالمها الخاص المحجوب عن الأنظمة والقوانين والقيم وحنق الجماهير.
لا يقتصر الأمر عند هذا الحد، فثمة" جزر افتراضية" تقام على البر في قصور مسورة بعناية ومسيجة بإحكام ومعززة بأنظمة مراقبة صارمة، تحتوي عالما منزوعا من سياقه المجاور ومستقلا عن محيطه، مخصصا لسادة قصور فارهة لا يبوحون بما يقترفون فيها أحيانا.
ولأن بعض النخب المحظية تتحاشى أنظارا تتلصص على طريقتها الباذخة في العيش وترغب أيضا في استشعار التفرد والتعالي على المحيط البشري الذي يشكل الأغلبية؛ فإنها تتعقب ضالتها في تجمعات سكنية متمايزة عن سياقها الجغرافي، تحيط بها الأسوار والكاميرات والحماية الأمنية والبوابات المغلقة، على نحو يحاكي نموذج الجزيرة المعزولة تقريبا.
تفشى أسلوب" الكومباوند" الرأسمالي هذا ليستوعب شرائح وفئات محدودة في بلدان تعج بذوي الفاقة والحرمان وتتناثر فيها العشوائيات، وقد يصعب إدراك المفارقات البصرية المذهلة بين الرقعة المحظية ومحيطها الشاحب إلا بمنظور علوي نادر عبر التصوير الجوي مثلا.
من تناقضات ظاهرة" الكومباوند" أنها أغرت صفوة القيادات الحزبية الحمراء في أنظمة شيوعية بائدة فاستأثرت بما يشبهها أيضا، حتى وهي تحكم باسم" دكتاتورية البروليتاريا"، كما في نموذج المنتجع السكني المرفه المخصص لقادة الحزب الحاكم في ألمانيا الشرقية، الكائن في منطقتي بانكوف وفالدسيدلونغ فانديت قرب برلين قبل تقويض جدارها (1989).
قد تبلغ الحيلة مبلغها الأوسع بسجن شعوب ومجتمعات بحيالها فيما يشبه جزيرة معزولة قسرا عن العالم بسياسات حصار خانقة تفرض عليها بلا هوادة، وتبقى جزيرة كوبا تعبيرا نموذجيا عن هذا المنحى الذي أرادت إدارة دونالد ترمب في ولايتها الثانية تشديده على نحو يحرم الشعب الكوبي اليوم حتى من الطاقة الشحيحة التي تتيح تشغيل حياته اليومية المتداعية أساسا بعد عقود مديدة من الحصار الأمريكي تركت ندوبها على المشهد العام في هذه البلاد التي تعيش على محاولة الاكتفاء الذاتي واقتصاد الندرة والترقيع.
ولا يشترط في جزر العقاب الجماعي أن تكون محاطة بالماء، ففي خاصرة المتوسط حولت سياسة الحصار المزمن قطاع غزة منذ سنة 2016 إلى جزيرة معزولة بالكامل يحدها الماء من جانب والأسوار والأسيجة وأبراج المراقبة وفوهات المدافع من جانب آخر.
بلغ إحكام القبضة على أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع المحاصر، معظمهم من الأطفال والأمهات، حد جعْله مختبرا مفتوحا للتجويع الرهيب والحرمان من إمدادات الماء والغذاء والدواء أمام أنظار العالم، علاوة على التدمير الشامل الذي أنزلته آلة الحرب والإبادة به.
أما في جزيرة إبستين الكاريبية فتشابكت أوهام المحظيين الفردوسية المارقة مع وقائع الاستغلال والإذلال والإخضاع التي تنزلت على قاصرات استدرجتهن منظومة نفوذ ذات سطوة إلى فضاء خاص تواطأت نخب متصدرة على كتمان عالمه المذهل عن الشعوب والمجتمعات من حولها.
على أن انكشاف أمرها بعد كل هذا التمادي لا يقضي بأن تلك الشبكة الآثمة العابرة للحدود كانت حالة فريدة، فمن عظات" الفضيحة الكبرى" أهمية عدم الاستهانة بما تستره تواطؤات تنسج شباك المروق وتنصب فخاخ الاستغلال وتفتعل أحابيل التوريط حيث تتكثف السلطة والمال والنفوذ، وحيث يتخير أكابر مجرميها ملاذات مثالية للتمادي، بينما يلقي بعضهم في العلن مواعظ أخلاقية ودروسا قيمية وينادون بالحوكمة والشفافية وحقوق النساء ونبذ تشغيل الأطفال والقصّر، كما تبين من واقع ملفات إبستين التي زلزلت الوعي العالمي رغم إعمال مقص الرقابة فيها.
هلك إبستين حسب الرواية الرسمية وبقي نموذجه قابلا للحياة.
ومما ينبغي استذكاره أن بعض الجزر المحاطة بالماء، أو ما يحاكي نموذجها الانعزالي طوعا أو قسرا على البر، تبقى شاهدة على اختلالات جسيمة تتواصل في عالم يتغنى بقيمه ويتباهى بمواثيقه بينما يخذلها في واقع تتناثر فيه بؤر المروق وملاذات الخطيئة ووجهات النفي ومعازل الحصار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك