الرباط ـ «القدس العربي»: بين تمدد التدين المجتمعي وتراجع المشروع السياسي الإسلامي، تبرز أسئلة جوهرية حول طبيعة التحولات التي يشهدها الحقل الديني في المغرب والمنطقة العربية، وتطرح أسئلة قلقة من قبيل: ما موقع التراث الصوفي في هذه المعادلة؟ وهل يمثل رصيدا فكريا وروحيا في مواجهة الغلو؟ وكيف يمكن تفسير إخفاق الإسلام الحركي في التكيف مع منطق الدولة الوطنية الحديثة؟ وما أثر العولمة الرقمية في إعادة تشكيل العلاقة بين الدين والسياسة؟هذه الأسئلة وغيرها طرحتها «القدس العربي» على الباحث المغربي منتصر حمادة رئيس مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث في الرباط، ورئيس التحرير السابق لمجلة «أفكار»، الذي قدّم قراءة تحليلية مركّبة تربط بين التصوف وإشكالات الإسلام السياسي، وخصوصية النموذج المغربي، في تدبير الشأن الديني، في سياق تحولات إقليمية ودولية متسارعة.
ويعدّ منتصر حمادة من الأسماء البارزة في مجال البحث، التي اشتغلت لسنوات على قضايا الإسلام السياسي والتطرف العنيف والتصوف وعلاقة الدين بالدولة، وله في ذلك إسهامات علمية صدرت في شكل مؤلفات، من قبيل: «في نقد خطاب 11 سبتمبر»، و»الإسلاميون المغاربة واللعبة السياسية»، و»نحن والتصوف»، و»المسلمون وسؤال تنظيم القاعدة»، و»في نقد تنظيم القاعدة: مساهمة في دحض أطروحات الحركات الإسلامية الجهادية»، و»المسلمون والإسلاموية في فرنسا: التحولات والتحديات»، و»الإرث الصوفي التجاني: الأصل في إثبات الأصل».
كما شارك في ندوات علمية داخل المغرب وخارجه، مساهما في النقاش حول قضايا الفكر الديني المعاصر.
المحور الأول الذي انطلق منه الحوار يتعلق بوصف التصوف بكونه «صمام أمان» للهوية المغربية، وهي عبارة تختزل رؤية تعتبر أن التصوف لم يكن في السياق المغربي مجرد ممارسة روحية فردية، بل أحد المكونات البنيوية للشخصية الدينية الوطنية.
وفي تفصيله لهذه الفكرة، يوضح حمادة، متحدثاً لـ»القدس العربي»، أن الممارسة الصوفية في بعدها النظري والعملي تمثل أداة فعالة في مواجهة تيارات الغلو، أيا كانت مرجعيتها.
فالتطرف، في نظره، لا يحتكر مجالا دينيا بعينه، بل يمكن أن يتخذ أشكالاً دينية أو مادية، وأن يظهر لدى جماعات دعوية وسياسية، كما لدى تيارات أيديولوجية يمينية أو يسارية.
ومن هنا، يضيف المتحدث، فإن الحديث عن «ترسانة فكرية» صوفية ليس توصيفا مجازيا، بل إحالة إلى إنتاج معرفي وروحي ضخم راكمه أعلام التصوف في المغرب والمشرق، وأسهم في بلورة رؤية إنسانية تتجاوز الانغلاق المذهبي، أو الديني، إذ إن هاجسها الأساسي يرتبط بتزكية النفس والانفتاح على الإنسان بما هو إنسان، بغض النظر عن مرجعيته، ما يفسر وجود قواسم مشتركة بين تجارب صوفية عالمية داخل الفضاء الإسلامي وخارجه».
وفي انتقاله إلى محور العولمة الرقمية، ردا على سؤال حول ظاهرة «التصوف الاستهلاكي» أو ما بات يُعرف ببعض أنماط «الروحانيات الجديدة»، يؤكد حمادة أنها تعبير عن حالة «السيولة» التي تحدث عنها عالم الاجتماع زيغمونت باومان.
فكما ظهرت في مرحلة سابقة موجة «الدعاة الجدد»، برزت اليوم في الفضاء الرقمي أشكال من التدين السريع والمبسط، تنسب إلى التصوف اسميا، لكنها تفتقد إلى عمقه التربوي والمعرفي كما بلورته الأدبيات الصوفية الكلاسيكية والمعاصرة.
ويشير إلى أن ظاهرة الروحانيات الجديدة كانت أوضح في السياق الغربي، خاصة في الولايات المتحدة، قبل أن تجد لها امتدادات محدودة في العالم العربي، في ظل تفاعل العولمة مع التحولات الثقافية المحلية.
وفي ما يتعلق بقراءته لما يصفه باحثون بـ»فشل» الحركات الإسلامية في تدبير الشأن العام بمجرد وصولها إلى السلطة، أو المشاركة فيها، وهل الخلل في «المرجعية»، أم في «الآليات»؟ يستحضر منتصر حمادة أطروحات الباحث الفرنسي أوليفيه روا حول «فشل الإسلام السياسي»، وكذلك إسهامات الباحث الإيراني آصف بيات بشأن «ما بعد الإسلام السياسي».
ويرى أن الإشكال لا يمكن اختزاله في ضعف الآليات التنظيمية، أو السياسية، لأن هذه الآليات متاحة نظريا لجميع الفاعلين، بل يرتبط أساسا بمضامين الأدبيات المؤسسة للمشروع الإسلامي الحركي، منذ كتابات حسن البنا وسيد قطب، وغيرهما من المنظرين الذين صاغوا تصورا للدولة والسلطة، انطلق من هدف إقامة الخلافة أو استعادة نموذج تاريخي، من دون استيعاب كافٍ لمنطق الدولة الوطنية الحديثة وتعقيداتها.
ويضيف أن جزءا من الفشل الانتخابي، الذي طال الإسلاميين واليساريين معا يرتبط بتجاهل طبيعة تديّن المجتمعات المحلّية، أو بسوء تقدير العلاقة بين الدين والسياسة في المجال العمومي.
وبالنسبة للصراع بين السلفية الوهابية والإسلام الحركي، يقول الباحث المغربي إن أداء هذين التيارين أفضى بصورة غير مباشرة، إلى تجدد الاهتمام بالتصوف، خطابا وممارسة.
فبعد منعطف أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، ثم تحولات 2011 في المنطقة العربية، ازداد حضور خطاب رموز صوفية أمثال ابن عربي وجلال الدين الرومي وأبي حامد الغزالي في التداول الثقافي والفني، سواء عبر الدراسات، أو من خلال انتشار فرق السماع والمديح.
ويعتبر أن هذا التحول يعكس بحثا عن نمط تدين يتسم بالمرونة والانفتاح، مقابل أنماط تدين حركية ذات نزوع سياسي أو صدامي.
وفي ردّه على سؤال حول خصوصية «هندسة الحقل الديني» في المغرب، والركائز التي جعلت هذا النموذج عصيا على الاختراقات المشرقية أو المتطرفة، يستعرض حمادة جملة من الركائز التي أسهمت في تحصين النموذج المغربي من التأثيرات المتطرفة أو الخارجية.
من هذه الركائز، عراقة الدولة المغربية واستمرارية مؤسساتها، وطبيعة تدبير الشأن الديني تحت قيادة المؤسسة الملكية بصفتها مؤسسة إمارة المؤمنين، وهي خصوصية قلّ نظيرها في العالمين العربي والإسلامي.
كما يشير إلى عمق الحضور الصوفي في التاريخ المغربي، مستحضرا أسماء ذات امتداد مغربي في المشرق أمثال، أحمد البدوي وأبي الحسن الشاذلي، إضافة إلى مشروع إعادة هيكلة الحقل الديني الذي انطلق سنة 2004، والذي عزز مناعة المؤسسات الدينية، ورفع من مستوى التأطير العلمي للأئمة والمرشدين.
وبخصوص التوازن بين الثوابت الدينية للدولة المغربية، المتمثلة في الأشعرية والمالكية والتصوف، ومتطلبات التحديث والحريات الفردية، يرى منتصر حمادة أن هذا الملف يوجد في صلب اهتمامات صنّاع القرار، وأن تدبيره لا ينفصل عن السياقات الجيوسياسية الدولية.
ويشير إلى إطلاق «كرسي جيوسياسة الثقافات والأديان» التابع لأكاديمية المملكة المغربية سنة 2025، وتنظيم مؤتمر دولي حول تفسير النصوص الدينية، بما يعكس وعيا بترابط المحلي والدولي في قضايا الدين والحرية.
ويعتبر أن مؤسسة إمارة المؤمنين في المغرب، لعبت دورا محوريا في تقديم أجوبة عملية على ثنائية التقليد والتحديث، كما ظهر في إصلاح مدونة (قانون) الأسرة سنة 2004، وفي حسم قضايا مجتمعية أثارت جدلاً واسعا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك