لندن- ليس من السهل أن يحل رمضان وأنت على بعد آلاف الكيلومترات من البيت.
أن يأتي موعد الأذان فلا تسمع صوت المسجد الذي اعتدت عليه، ولا تفوح رائحة الشوربة التي كانت تتسلل من مطبخ أمك قبل دقائق من الإفطار.
أول رمضان بعيدا عن الوطن ليس مجرد محطة زمنية عابرة، بل تجربة وجدانية عميقة، تعيد تعريف معنى العائلة والأصدقاء، وحتى فكرة الانتماء نفسها.
في مدن مثل لندن ومانشستر وبرمنغهام، يعيش آلاف الشباب العرب والمسلمين موسمهم الرمضاني الأول خارج أوطانهم.
طلاب وموظفون وعائلات ولاجئون، تجمعهم مشاعر متشابهة، أبرزها حنين صامت يجلس على طرف مائدة الإفطار.
الحنين في أول رمضان لا يظهر فجأة، بل يتسلل تدريجيا.
يبدأ مع أول يوم صيام، حين تكتشف أنك لن تسمع دعاء والدك قبل الإفطار، ولن تتذوق الأطباق التي كانت تُحضَّر خصيصا لهذا الشهر.
في الأيام الأولى يبدو الحنين عبئا ثقيلا، لكنه مع الوقت يتحول إلى طاقة دافعة.
يدفعك للاتصال بأهلك أكثر، لتقدير وجودهم، ولإعادة التفكير في معنى الوطن.
هنا، لا تبدو تطبيقات التواصل رفاهية، بل جسرا نفسيا يخفف من وطأة الغياب.
أحمد، شاب مغربي يدرس الهندسة في لندن، يصف تجربته قائلا: " في أول يوم رمضان هنا، كنت أراقب الساعة طوال الوقت.
الصيام لم يكن الأصعب، بل فكرة أنني سأفطر وحدي.
أعددت وجبة بسيطة جدا، وعندما جلست إلى الطاولة شعرت بأن شيئا كبيرا ينقصني.
اتصلت بأهلي عبر مكالمة فيديو، لكن فرق التوقيت كان قد حسم الأمر، فقد انتهوا من الإفطار واستعدوا لصلاة العشاء.
".
لكن الغربة في رمضان لا تتوقف عند حدود الحزن.
فمع مرور الأيام، يبدأ كثيرون في البحث عن طرق لصناعة طقوس بديلة، تخفف من الوحدة وتمنح الشهر طابعا مختلفا.
تقول فاطمة، طالبة مصرية في مانشستر: " قررنا أنا وصديقاتي في السكن الجامعي أن نخصص كل يوم جمعة لإفطار جماعي.
كل واحدة تطهو طبقا من بلدها، ونتشارك التحضير معا.
أصبحنا ننتظر هذا اليوم كما كنا ننتظر تجمع العائلة في الوطن.
".
بهذه المبادرات الصغيرة، يتحول الحنين من شعور مثقل إلى دافع لبناء معنى جديد.
وبدلا من الاكتفاء بالمقارنة بين هناك وهنا، يبدأ المغترب في خلق نسخته الخاصة من رمضان، نسخة مختلفة، لكنها لا تخلو من الدفء.
رمضان في بريطانيا لا يشبه رمضان في العواصم العربية.
يمضي النهار بإيقاع الحياة المعتاد؛ المقاهي مفتوحة، والمطاعم تستقبل زبائنها، وزملاء العمل يتناولون الغداء أمامك خلال وقت الاستراحة، من دون انتباه أو حرج.
يارا، موظفة حديثة التخرج، تروي تجربتها قائلة: " في المكتب، كنت الوحيدة التي أصوم.
في البداية شعرت بالغرابة، لكن زملائي بدأوا يسألونني عن رمضان، إذ لم تكن لديهم معرفة مسبقة به.
شرحت لهم معنى الصيام، وفوجئت باحترامهم وتشجيعهم.
في أحد الأيام، أحضرت لي زميلتي تمرا، وقالت إنها قرأت أن الإفطار عليه سنة عند المسلمين.
".
في مثل هذه اللحظات، يتحول رمضان من تجربة فردية إلى مساحة للحوار الثقافي.
يصبح الصائم ممثلا غير رسمي لثقافته، يشرح، ويصحح صورا نمطية، ويقدم نموذجا عمليا للتسامح والانضباط وحسن المعاملة.
وفي الوقت نفسه، تحتضن مدن بريطانية عدة، مثل لندن ومانشستر، جاليات مسلمة واسعة.
تنتشر المساجد والمراكز الإسلامية التي تنظم موائد إفطار جماعية، ودروسا دينية، وصلوات تراويح تعيد بعضا من أجواء الوطن.
هناك، يشعر كثير من المغتربين أنهم جزء من جماعة أوسع، تتجاوز حدود المكان.
مريم، شابة سورية لجأت إلى بريطانيا قبل ثلاث سنوات، تتذكر أول رمضان لها في لندن قائلة: " كنت قد وصلت حديثا، ولم أكن أعرف أحدا تقريبا.
في الأسبوع الأول شعرت بوحدة شديدة، وكنت أبكي كثيرا.
ثم دعتني جارة باكستانية إلى الإفطار.
لم نفهم لغة بعضنا جيدا، لكننا فهمنا معنى المشاركة.
".
تضيف: " تحولت الدعوة إلى تقليد أسبوعي، نتبادل الأطباق ونجلس لنتحدث عن ذكرياتنا في بلداننا".
أما عمرو، طالب دكتوراه في مانشستر، فاختار أن يحول شعوره بالوحدة إلى مبادرة بسيطة.
يقول: " في أول رمضان لي، كنت أتناول الإفطار وحدي في غرفتي، وشعرت أن الشهر يمر كأي شهر آخر.
في العام التالي، أنشأت مجموعة على وسائل التواصل لطلاب الجامعة العرب والمسلمين، ودعوتهم إلى إفطار أسبوعي.
".
لم يقتصر الحضور على العرب، بل انضم طلاب من ماليزيا ونيجيريا وتركيا.
" تحول الإفطار إلى مساحة تعارف، تبادلنا فيها الأكلات والقصص، واجتمعنا لصلاة العشاء والتراويح قدر المستطاع".
أول رمضان في الغربة يغير المفاهيم.
العائلة لم تعد فقط تلك الوجوه التي تعودنا أن تشاركنا الإفطار يوميا حول مائدة واحدة، بل قد تكون صديقا يطرق بابك حاملا طبقا ساخنا ليشاركك الإفطار، أو زميلا في العمل ينتظر معك موعد الأذان احتراما لصيامك، لتنشأ بينكما بعدها صداقة وطيدة تخفف عليك غربتك.
الروحانية أيضا تتخذ شكلا مختلفا، بعيدا عن أجواء الاحتفالات والزيارات، يصبح الصائم أكثر مواجهة لنفسه.
لا يوجد ضغط اجتماعي يدفعه للصلاة أو الصيام، الدافع هنا داخلي فردي، تقوى الله وخشيته.
وهذه التجربة، رغم صعوبتها، تعمق العلاقة مع الله بشكل قد لا يتحقق في أجواء الألفة المعتادة للعبادة والطاعة في البلاد العربية الإسلامية.
عند انتهاء الشهر، يكتشف كثير من المغتربين أنهم خرجوا منه أشد صلابة وأعمق فهما لأنفسهم.
صحيح أن مائدة الإفطار لم تضم الوجوه ذاتها، لكنها اتسعت لوجوه جديدة، ولحكايات لم يكونوا ليتعرفوا عليها لولا الغربة.
أول رمضان بعيدا عن الوطن قد يبدأ بالدموع، لكنه غالبا ما ينتهي بابتسامة ناضجة.
فبين مكالمات الفيديو، وموائد الإفطار المشتركة، وصلوات التراويح والتهجد في مساجد المدن البعيدة، يتعلم الشباب أن الحنين ليس نقيض السعادة، بل جزءا منها.
وفي النهاية، يظل رمضان وعدا سنويا بأن الروابط الحقيقية لا تقطعها المسافات، وأن القلب، مهما ابتعد، يعرف دائما طريق العودة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك