في رمضان، يتغيّر إيقاع الحياة قليلاً، ولأن الطيران هو نبض العالم، تبدو المطارات في البلدان الإسلامية أهدأ نسبياً رغم أن جداول الرحلات لا تعرف الصوم والطائرات لا تتأثر، لكن الإنسان هو من يشعر في داخله بذلك التحول الهادئ.
إحساس مختلف بالوقت وبالمسافات.
الصيام تجربة روحانية في جوهرها، لكنه في عالم الطيران يأخذ بعداً آخر، أن تكون على ارتفاع 11 ألف متر، صائماً تنظر من نافذة الطائرة إلى السحاب، وتدرك أن الشمس التي غربت في مدينتك ما تزال معلّقة في الأفق، فذلك غوص في «نسبية اللحظة».
بيئة الطائرة بيئة خاصة، الضغط الجوّي داخل المقصورة يعادل ارتفاع 8 آلاف قدم تقريباً، ما يعني انخفاضاً في الضغط الجزئي للأوكسجين، يضاف لذلك انخفاض الرطوبة إلى أقل من 20%، وأحياناً إلى 10% في الرحلات الطويلة، وهي نسبة أقل بكثير من المعدلات المريحة على سطح الأرض، هذه الظروف كافية لزيادة الإحساس بالجفاف وتسريع فقدان السوائل حتى عند غير الصائمين.
تشير دراسات طب الطيران إلى أن فقدان سوائل بنسبة 1–2% من وزن الجسم ينعكس على مستوى الانتباه خصوصاً في المهام الذهنية التي تتطلب تركيزاً مستمراً وقرارات دقيقة.
الفقه الإسلامي كان واعياً بهذه الأسئلة منذ قرون، رخصة الإفطار في السفر تقدير لطبيعة الإنسان، والطيران رغم رفاهيته الحالية يبقى جهداً جسدياً ونفسياً، تغيّر في الضغط مع جفاف في المقصورة واضطراب مواعيد النوم.
الصائم المسافر بين قارات الدنيا يعيش يوماً مُربكاً، مركّباً من خطوط الطول ودوائر العرض، لذلك كان التيسير جزءاً أصيلاً من التشريع، يوازن بين العبادة والقدرة.
في قمرة القيادة، الصورة مختلفة، الطيار لا يتعامل مع صوم فردي، إنما مع مسؤولية جماعية، تركيز كبير وقرارات تُتخذ بسرعة، حركة وقراءة عدادات وتواصل دقيق، هنا لا مجال لاحتمالية الخطأ.
كثير من شركات الطيران تترك قرار الصيام لتقدير الطيار نفسه وفق حالته، فالسلامة التزام وإذا تعارضت القدرة مع المسؤولية، تُقدّم السلامة دون تردد.
رمضان له حضوره الخاص في السفر، في صالات المغادرة حيث يراقب الناس عقارب الساعة، وعلى متن الطائرة حيث تُنسّق بعض شركات الطيران وجباتها وفق توقيت الإفطار والإمساك، مع مراعاة تقليل العناصر عالية الملوحة في السحور لتخفيف العطش، واختيار مكونات سهلة الهضم في الإفطار.
إعلان من قائد الطائرة يهنئ الركاب بحلول المغرب، مع دعوات لطيفة، تفاصيل صغيرة تمنح الرحلة معناها الإنساني.
رمضان يعيد تعريف فكرة «المسافة»، في الطيران نقيسها بالأميال البحرية أو بزمن التحليق، لكن الصائم يقيسها بقدرته على الاحتمال وبالسكينة التي ترافقه، فالرحلة من جدة إلى جاكرتا، ليست سبع ساعات في الجو، هي انتقال من نهار إلى نهار، ومن توقيت إلى آخر، ومن ثقافة رمضانية إلى أخرى.
بعض المطارات الآسيوية على سبيل المثال، يتحوّل الإفطار فيها إلى مشهد جماعي، بينما في مطارات أوروبية قد تمر لحظة المغرب ببرود كامل.
الطيران في رمضان يذكّرنا بحقيقة بسيطة، مهما ارتفعنا نظل بشراً، صحيح إن التكنولوجيا تختصر الزمن والمسافات، لكن للجسد إيقاعه وللروح احتياجها، نطير فوق الغيوم ومعنا عطشنا، ويقيننا التام بالمعبود، ورغبتنا في الوصول بسلام.
رمضان في السماء يعلّم التوازن بين العبادة والعمل، بين الرخصة والعزيمة، بين الارتفاع والتواضع، وحين يصل المسافر بعد رحلة طويلة ويستعد للإفطار في مدينة جديدة، يدرك أن العالم رغم اتساعه، يمكن أن ينصهر في لحظة روحانية واحدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك