إذا شاء مراقب محايد وضع خرافة “ديمقراطية” دولة الاحتلال على محك الوقائع اليومية، فإنه أغلب الظن لن يحتاج إلى ما يزيد عن استعراض بسيط لانتهاكات وزير واحد في الائتلاف الحاكم الذي يقوده بنيامين نتنياهو، وهو إيتمار بن غفير الذي لا يشغل حقيبة الزراعة أو الصناعة بل وزارة الأمن القومي دون سواها، حيث يتوجب الالتزام بالقوانين المرعية والفصل بين السلطات في أي نظام يزعم الصفة الديمقراطية وليس جمهورية الموز.
ذلك أيضاً لأن بن غفير لا ينتهك القانون الدولي والمواثيق العالمية، بل تمتد استهانته إلى الداخل الإسرائيلي أيضاً، وإلى الكثير من “المبادئ” الحقوقية التي تتفاخر آلة الدعاية الصهيونية بأن دولة الاحتلال تنفرد في اعتمادها عن سائر الشرق الأوسط والكثير من دول العالم.
وإذ يتنمّر بن غفير من داخل الحكومة الإسرائيلية ذاتها، ولا عجب في ذلك بوصفها الأكثر يمينية وتطرفاً وفاشية في تاريخ دولة الاحتلال، فإنه لا يكف عن الاستهتار بأي وكل إجراء يستهدف الحدّ من عربدته، سواء صدر عن المستشارة القضائية للحكومة، أو المحكمة العليا، أو اللجان المختلفة في الكنيست ذاته.
وقد بات مألوفاً أن تُقرأ في وسائل الإعلام الإسرائيلية عناوين تقول: “المحكمة العليا تأمر نتنياهو بتوضيح سبب عدم إقالة بن غفير” في ضوء قضية قضائية جارية تتعلق بسلوكه أثناء تولي المنصب، مقابل عنوان مضاد يقول: “المحكمة العليا لا تملك سلطة الأمر بإقالة بن غفير، فهذا إبطال لإرادة الناخبين”، بينما يتابع نتنياهو الصمت على انتهاكات وزيره، ومباركتها ضمناً لأنها في واقع الأمر إنما تنفذ إرادة رئيس الحكومة.
وبالأمس كشفت “لجنة الكنيست لمراقبة الحكومة” عن تفاصيل مذهلة تتعلق بمفارز أمنية أنشأها بن غفير تحت مسمى “الحرس الوطني” ومارست سلطاتها بمعزل عن أي ضوابط عمل حكومية تحدد صلاحياتها ومسؤولياتها، ومن دون خضوع لأي شكل من رقابة السلطة التشريعية أو القضائية.
وهذه المفارز لم ترتكب جرائمها ضد الفلسطينيين وحدهم، بل شاركت في تفريق التظاهرات الإسرائيلية المناهضة لسياسات حكومة نتنياهو، وقمعت مجموعات بدوية في النقب، وشوهدت مؤخراً في باحات الأقصى للإسهام في حماية المتطرفين اليهود وحظر الصلوات الفلسطينية خلال شهر رمضان.
وفي جمهورية موز على غرار دولة الاحتلال، يحقّ لوزارة بن غفير أن ترفض أي طلب من لجان الكنيست للوقوف على الركائز القانونية لمهام مفارز “الحرس الوطني” هذه، أو التحقيق في ممارساتها بحقّ المواطنين الإسرائيليين أنفسهم، لا لأي سبب آخر أبعد من حقيقة أن وزير الأمن القومي هو بيضة القبان في منجاة الائتلاف الحاكم، وهو في الآن ذاته مجرم كل الحروب، عنصرية كانت أم استيطانية أم حقوقية أم دينية متشددة.
وإذ يهدد بن غفير بتجريف قبر القائد الوطني الفلسطيني الكبير عز الدين القسام في حيفا، فإنه يرفض ترقية الشرطية رينات سابان لأنها تتابع التحقيق في قضايا فساد نتنياهو، ما دامت هذه “الديمقراطية” الإسرائيلية تمكّنه من ذلك وتهلل له.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك