منذ إعلان رحيل السيدة سلمى مرشاق، سارع كثيرون إلى تقديم التعازي بوفاة" والدة لقمان سليم".
قد يبدو ذلك بديهياً في بلد تعلّم أن يعرف النساء عبر أبنائهن، لا عبر ذواتهن.
لكن الحقيقة أن سلمى لم تكن مجرد أم لمفكر اغتيل، بل كانت مفكرةً وأديبةً وشريكةً في مشروع ثقافي وفكري جمعها بزوجها الراحل محسن سليم، وساهم في خلق بيئة قاومت ثقافة العنف والإنكار التي تحكم هذا البلد.
سلمى مرشاق كانت من الشاميات، من ذلك الجيل من اللبنانيين الذين وُلدوا في مصر لعائلات سورية استوطنتها خلال القرن الماضي، وعادوا لاحقاً إلى لبنان حاملين معهم تقليداً فكرياً مدنياً يؤمن بأن النقاش العام يمثل جزءاً من الحياة اليومية.
حين دخلت سلمى إلى حارة حريك أواخر خمسينيات القرن الماضي، لم تدخلها كغريبة، بل كجزء من مشروع اندماج مدني في ساحل المتن الجنوبي، الذي لم يكن يوماً كما نراه اليوم مزيجاً من كتل إسمنتية وخطابات تعبئة، بل كان مساحةً مفتوحةً على تنوع اجتماعي وثقافي.
في منزلها، الذي سيصبح لاحقاً محطةً لعددٍ لا يُحصى من المثقفين والباحثين، لم تكتفِ سلمى بتنشئة لقمان، بل أسهمت في تربية رشا وهادي على القيم ذاتها التي جمعت بين الحرية الفكرية والمسؤولية العامة.
فكان الأبناء الثلاثة امتداداً حياً لبيئة منزلية رأت في المعرفة التزاماً، لا زينة؛ وفي النقاش واجباً، لا ترفاً.
هذا المناخ هو الذي سمح لاحقاً بقيام مبادرات ثقافية وتوثيقية حملت توقيع العائلة، وساهمت في صون ذاكرة عامة في وجه محاولات الإلغاء والنسيان.
لم يكن صدفةً أن يتحول هذا المنزل نفسه إلى مقرّ لمشاريع نشر وتوثيق، في محاولة دؤوبة لمواجهة ثقافة النسيان التي تفرضها منظومات السلاح.
لكن ما يلفت أكثر في سيرة سلمى أنها لم تتوقف يوماً عن العمل الفكري.
بعدما كبر أولادها، عادت إلى مقاعد الدراسة في الجامعة الأميركية في بيروت، وواصلت لاحقاً أبحاثها وكتاباتها حول تاريخ المشرق ومثقفيه.
وحتى في سنواتها الأخيرة، وقبل اغتيال لقمان، كان حضورها في مكتبة يافت مألوفاً: امرأة في عمر متقدم تتابع مصادرها وتدوّن ملاحظاتها، في مجتمع بات فيه حمل الكتاب أقرب إلى فعل مقاومة.
غير أن العامة لم تتح لهم فرصة التعرف إلى سلمى مرشاق إلا بعد اغتيال ابنها.
في إطلالاتها الإعلامية القليلة، التي جاءت في لحظة كان يُفترض أن يطغى فيها الحزن أو الغضب، قدّمت سلمى نموذجاً مختلفاً للأمومة، أعادت من خلاله تعريف دور الأم في مجتمع طالما حوّل الأمهات إلى شهود زور على حروب عبثية، أو إلى أدوات تعبئة تُدفع إلى الرضى بالتضحية بأبنائهن في سبيل أوهام وثنية تُلبس العنف ثوب القداسة.
وقوفها فوق قبر لقمان لم يكن مشهداً عاطفياً فقط، بل كان موقفاً أخلاقياً صريحاً.
لم تدعُ إلى الانتقام، ولم تبارك العنف، بل ذكّرت بأن الحضارة تُبنى بالعقل لا بالغريزة، وبأن النقاش، مهما اشتد، لا يبرر حمل السلاح.
في لحظة كهذه، كسرت سلمى الصورة النمطية للأم التي يُفترض بها أن" تزغرد للشهادة"، وقدّمت بدلاً منها صورة الأم التي ترفض أن يكون موت ابنها وقوداً لدورة جديدة من العنف.
إنَّ مقاربة سلمى مرشاق للمعرفة أبعد وأعمق من كونها ترفاً، بل اعتبرت المعرفة وسيلة للدفاع عن فكرة لبنان التي آمنت بها، أي لبنان النقاش، لا لبنان الإلغاء؛ لبنان التعدد، لا لبنان الصوت الواحد.
برحيلها، نخسر شاميةً من آخر الشاميات اللواتي لم يساومن على دورهن في الفضاء العام، ولم يقبلن بأن يُختزلن في خانة الأمومة، بالرغم من نبلها.
نحن نخسر امرأة اندمجت في نسيج ساحل المتن الجنوبي، لا عبر خطاب الانتماء، بل عبر ممارسة يومية للعيش المشترك وللإيمان بأن الفكر لا يُهزم بالرصاص.
اليوم، نودّع سلمى مرشاق كما عاشت: هادئةً، مثقفةً، ومنحازةً دائماً إلى الكلمة، في بلد لا يزال يمجّد كاتم الصوت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك