في مدينتي الجنوبية، وإلى سنوات قليلة خلت، لم يتعوّد المجال البصري للنّاس على التقاط واجهة لمسرح محلّي أو جهوي، ما عدا بناية تقريبا كانت تبدو مهجورة في لحظة ما، لكنّها لعبت الدور الأساس في ترقية الذوق المسرحي الطليعي، وناضل المشرفون عليها من أجل المحافظة عليها كمسرح رغم كل النقائص، واستمرّت إلى أن أعيدت تهيئتها تحت اسم «مسرح أكون».
للعلم فإنّ مدينة «بشار» تاريخيا قدّمت للأدب الجزائري واحدا من أوائل المبدعين المناضلين ضد الاستدمار الفرنسي، محمد ولد الشيخ (1905-1938)، الذي يعدّ من رواد الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، حيث ظهرت روايته «مريم بين النخيل» عام 1936، هو أيضا صاحب مسرحية «شمشون الجزائري» 1936، التي سلّمها في العام نفسه لعميد المسرح الجزائري محيي الدين بشتارزي الذي ترجمها إلى العامية الجزائرية وعرضت بعد وفاة الكاتب عام 1947.
يذكر أحمد لناصري، أنّ الأديب الجزائري محمد ديب صاحب ثلاثية (الحريق، دار السبيطار والنول) من الأوائل الذين وجّهوا الأنظار إلى هذا العمل، كما قلت رغم هذا، شهدت الحركة المسرحية ندرة على مستوى الكتابة والعروض، إلى أن تمّ افتتاح «المسرح الجهوي»، ورغم بعض النقائص والعراقيل، إلا أنّه يقوم بنشاطات تعتبر فاتحة لحركة مسرحية واعدة.
في إطار نشاطات المسرح تمّ عرض مسرحية «تراب الجنون» ضمن فعالية «المسرح في رحاب الجامعة»، عن طريق الشاشة، بسبب نقص في تجهيزات الخشبة، وبعد انتهاء العرض تمّت مناقشة المسرحية بالاتصال عن بعد بالمخرج وصاحب الفكرة حسين مختار، طبعا عبر الشاشة لا يمكن الشعور بحركة الممثلين وتعبيراتهم الجسدية، كما في حضورهم على الخشبة، لكن رغم ذلك دار نقاش حول المسرحية، من حيث المضمون والشكل والظروف التي أنتجت فيها، ووجّهت عدّة أسئلة للمخرج.
تدور أحداث المسرحية إبّان الفترة الاستعمارية في مدينة القنادسة التي تعتبر مركزا منجميا للفحم الحجري في المنطقة، وفي عمق منجمي تظهر ديكورات المسرحية معبّرة عن تلك الظروف القاسية، التي كان يعانيها العمال، وفي هذا العمق الجهنّمي كانت تُدار عملية نضالية للاستيلاء على الديناميت من مغازة إحدى الثكنات العسكرية.
تدور الأحداث الرّئيسية مولّدة أحداثا فرعية تحيل على البؤرة الأساس وهي مأساة المنجميين ونضالهم من أجل التحرّر.
جمعت المسرحية الشّخصية المعيقة الخائن مبتور اليد، وشخوصا متعدّدين منهم الفرنسي والإسباني ومن بعض جهات الوطن، وكانت إحدى الشّخصيات رافضة لكل وافد منجمي جديد، ما جعل مويسي بوسماحة في تدخّله ينتقد هذا الجانب، باعتباره يحيل إلى موقف عنصري في المنطقة، وهو ما يتناقض مع الواقع الذي كان محتضنا غير طارد، لكن موقف المخرج كان مختلفا، إذ رأى أنّ العنصرية موجودة في المجتمع وإنكارها لا يخفّف من حدّتها، وتعريتها هو السبيل إلى خلق وعي وطني يحاصر هذا السلوك في العلاقات الاجتماعية.
ربّما فترة النضال من أجل التحرّر الوطني في طبيعتها الغالبة، كانت متضامنة من أجل التعبير عن اللحمة الوطنية، لكن صراعات الباطن لا يمكن أن تخلو منها ثورة.
لحسن تركي وجّه سؤالا يتعلّق بالمنجم في ذاته هل كان محلا فقط لاستخراج الفحم الحجري، أم كان أيضا كما ورد في المسرحية فضاء لممارسة النضال؟ بمعنى هل الجانب النضالي في المنجم كان حقيقة واقعة أم ضرورة فنّية؟أجاب المخرج بأنّه وعبر لقاء ببعض قدماء المجاهدين، أكّدوا جانب النضالية في الأعماق المنجمية، ومن ذلك حكاية مسرحية «تراب الجنون» التي تمّت عن طريق تسريب الديناميت إلى أعماق المنجم في سلطانيات العمّال (الأواني المعدنية لحفظ الأكل)، لكن هذا لا ينفي الضرورة الفنّية التي لها السبق، لأنّ المسرحية أدبيا هي عمل تخييلي، يشمله الفن بالدّرجة الأولى.
يجمع الرّواة الذي حضروا استخراج الفحم الحجري لأول مرّة في منطقة القنادسة عام 1917، أنّ ساكنة المدينة لمّا رأواه ظنّوا أنّه «تراب الجن»، لأنّ العمق دوما في المخيال الشّعبي هو مسكن الجن، ومن هنا جاء عنوان المسرحية، التي وظّفت عدّة حكايات جانبية من الواقع لتدمجها في المسار الحدثي للمسرحية، وهنا تنسج المسرحية علاقاتها بالواقع الاجتماعي رغم تاريخيتها المتعلقة بفترة التحرّر الوطني.
كان مما أثاره مويسي بوسماحة، قضية التوافق بين الواقع والمسرح فنّيا، أي أنّ عمق المنجم لم يكن بذلك الاتساع الذي قدّمته الخشبة؟ برّر المخرج ذلك أنّه في عمق المنجم هناك نفق رئيسي ونفق ثانوي والأول يكون واسعا.
لكن يبدو لي أنّ المسرح في نقله للواقع باتساعه وتعقيداته إنّما يحاول أن يجعله متوافقا مع طبيعة الخشبة، حتى يقدّمه ليس في تفاصيله الدقيقة والمتوافقة مع طبيعته، بل الأهم من ذلك هو معيار «الحركة»، وهذا ما يميّز المسرح، ويتفق المسرحيون على مفهوم «الحضور الحركي للممثل».
حسب المخرج، خرجت المسرحية عن «وحدة المكان» التي اعتمدتها مسرحيات سارتر، أي «المستوى المكاني الواحد»، وعدّدت في المكان عن طريق مستويات الأنفاق المنجمية، لكن نجد سارتر اعتمد هذه الرّؤية في مسرحية «لا مخرج» Huit Clos أو مسرحيات «المواقف»، على أساس مواجهة الشخصية لمصيرها وتحديد موقفها بكل حرّية، ولكنّه خرج عنها في مسرحية «الذباب» مثلا، و»الشيطان والربّ الرّحيم».
أثناء عملية البحث وجمع المادة الحدثية، اتصل المخرج والطاقم الفنّي بعدّة شخصيات عايشت الحدث المنجمي أيام الاستعمار، وكان التوجه نحو موضوعة المنجم، تأثّرا بحكاية والد عازف العود العالمي علاّ الفوندو، فموسيقى الفوندو تتعلق بأعماق المنجم، حيث هبوط والده يوميا إلى ذلك الجحيم، و»الفوندو» هو تعريب للكلمة الفرنسية Fond 2، التي تعني العمق رقم اثنين.
تولّدت فكرة المسرحية من معاناة العمال المنجميين في الأعماق الجحيمية لأنفاق الموت، ولهذا كان من ضمن الشّخوص شخص يطالب بتشكيل نقابة لتحسين وضعية العمال، ولكنّ مطلبه ووجه باللامبالاة من قبل العمّال.
يحيل جمع الحكايات إلى فكرة النص المسرحي، الذي لا يكتمل معناه إلا بالتحوّل إلى عرض، والعرض يجعل من القارئ مستوى استيعاديا لمعنى يتحوّل إلى رؤية شخصية تفتكها القراءة في انتقالها من مستوى الخطاب في النص إلى مستوى الخطاب على الركح، أي من النص إلى الحركة، فمجموع الحكايات أدّى في النهاية إلى خلق مخيال الكاتب المسرحي، الذي تشكل ضمن حركة الفاعلين على مسرح الواقع في المنجم الواقعي، وحمل النص تلك الحركة في نطاق لغة «ثورية» تتقافز في عمق خطاباتها الشّخوص حاملة هاجس الركح لتتحوّل اللغة ذاتها إلى حركة، وهو الاختلاف الجوهري بين المسرحي والرّوائي، الأول يشتغل على الحركة والثاني همّه الوحيد اللغة.
تستجيب المسرحية لفعالية تُزاوج بين المعنى في العمق المنجمي والعمق النّفسي، الصّراع هو ما حاولته المسرحية لتأكيد حركة الذّات من أجل تحقيق تحرّرها، وكانت حركة الممثلين على الخشبة مشمولة بهذا الصراع كتعبير قوي على ما قصدته النوايا الاستعمارية من إدخال الذات الوطنية في نفق التفكك، تفكيك شبكة العلاقات الوطنية، لكن تلك الصراعات في عمومها تحوّلت من الذّات إلى الآخر المهيمِن، وحدة الحركة المسرحية التي جمعت الشخوص على فكرة الاعتراف، والمواجهة بين «زينب» ووالدها مبتور اليد، عكست صراع الذّات مع ذاتها لأجل الوصول إلى جذر المواجهة الحقيقية، التي يجب أن تكون ضد من سجن الوطن في غياهب النّفق الوجودي المُعطّل لكل فعالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك