لثمانية عقود تلت قيام إسرائيل، تمكنت السردية الصهيونية من الهيمنة على مسار الصراع العربي الإسرائيلي، فظل الحديث عن تلك الدولة الديمقراطية الصغيرة، المحاطة بدول كثيرة مستبدة وشريرة، تحاول الفتك بها، وتسعى إلى إلقائها في مياه البحر، هو الحديث الأكثر رواجاً وسيطرة على العقول والقلوب في جل المجتمعات الغربية، من دون تمحيص كاف، فيما ظلت السردية الفلسطينية محاصرة بالكلية، شاحبة أو حتى غائبة.
يرجع ذلك إلى أن أغلبية البشر، حتى في المجتمعات الموصوفة بالتقدم، لا يملكون حساً نقدياً إزاء القضايا العالمية المطروحة، ولا يملكون من المعرفة ما يكفي إدراك جوهرها، ولذا يكتفون بتداول المتاح عنها، خضوعاً لسلطة الثقافة السائدة والإعلام الرائج.
وقد ظلت إسرائيل منذ قيامها قبل ثلاثة أرباع القرن حالة خاصة على هذا الصعيد، حيث تشكل إجماع غربي حول تصور معين لها، ولدورها، خصوصاً بين النخب الفاعلة: ثقافياً وإعلامياً ومالياً.
هذا الإجماع صار بمرور الوقت أشبه بمنظور معرفي سائد، قالب ذهني جاهز، يمكن للفرد العادي أن يحتمي به ويتوارى خلفه، ويستدعي مقولاته كلما احتاج إلى التعبير عن رأي أو اتخاذ موقف من إسرائيل ككيان استعماري استيطاني، أو من ممارساتها العدوانية ضد الفلسطينيين، هروباً من عبء البحث عن الحقيقة، وخوفاً من الألم المصاحب لاكتشاف مرارتها، وما يترتب على ذلك من أعباء أخلاقية.
وهكذا تعاطى الجمهور الغربي مراراً مع الصراع العربي الإسرائيلي عبر انطباعات طالما كانت متحيزة، شكلتها عوامل كثيرة من قبيل حسن النية أو ضعف الثقافة ومجاراة التيار السائد، طالما أن الصراع لا يمس مصالح الفرد المباشرة، وهو أمر أجادت النخب الحاكمة استغلاله في الحصول على تفويض دائم بحرية الانحياز لإسرائيل، التي صار الموقف الإيجابي منها معياراً لإسباغ الشرعية على النظم الحاكمة في بعض البلدان كما هو الحال في ألمانيا، أو مدخلاً لصعود بعض النخب إلى سدة الحكم كما هو الحال في الولايات المتحدة.
بالقطع، لم يكن الجمهور الغربي كله من القطيع، فثمة أحرار وعقلاء، من ذوي الهمة المعرفية والإرادة الأخلاقية، خرجوا من تبعية النمط السائد، والقوالب الجاهزة، امتلكوا الجدية الكافية في طلب الحقيقة، والقدرة العالية على تحمل مسؤولياتها.
لكن ظل هؤلاء محصورين في دائرة النخبة من المثقفين والأكاديميين والإعلاميين والفنانين.
والمفارقة أن بعضاً من هؤلاء كانوا يهوداً، بل إن اليهود منهم كانوا الأكثر وعياً بجوهر الصراع من غيرهم، والأكثر عمقاً في نقد السردية الصهيونية، والدور الأمريكي في ترسيخها ورعايتها.
ولعل المفكر اليهودي الأمريكي نعوم شومسكي، وعالم الاجتماع اليهودي الأمريكي أيضاً جرشون شافير، والمفكر اليهودي الإسرائيلي نورمان فلنكشتاين، والكاتب الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي يمثلون الدليل الأبرز على ذلك، ناهيك بالطبع عن رموز حركة المؤرخين الجدد سواء الأحياء منهم بني موريس، وإيلان بابيه وآفي شلايم وتوم سيجيف، أو الراحلين باروخ كمرلنج (2007) وعاموس عوز (2018).
غير أن هؤلاء ظللوا صوتاً غير مسموع خارج قاعات المحاضرات والندوات، محض هامش نحيف على متن السردية المتدفق في مؤسسات التربية والتثقيف، وأروقة الإعلام السائد، وحتى في المقاهي الحافلة بالحكايات الفرعية والذكريات الشخصية.
بشارة اليوم، رغم المرارات والآلام التي خلفها العدوان الأخير، هي تهتك الغلاف الغليظ الذي ضربته الثقافة السائدة والإعلام الرائج حول السردية الفلسطينية، فالوحشية الإسرائيلية إذ جاءت فوق كل حد، مصورة لحظة بلحظة، ومتداولة عبر الشاشات الفضية والهواتف الذكية، صارت عصية على كل صنوف الإخفاء ومحاولات الإنكار الغبية، التي مارسها إعلامها الرسمي، بل إنها باتت تطارد الناس في خيالاتهم، وتهاجم ضمائرهم في نومهم ويقظتهم، فكان من الطبيعي أن يقفزوا جميعاً فوق أسوار الغفلة، وأن يكسروا حواجز الخوف، ليعبروا عن رفضهم واحتجاجهم بأشكال واضحة وأحياناً عارمة، طلباً لراحة الضمير وخلاصاً من ألم الحقيقة، وقد صارت جلية ومريرة.
أفضى التحرر من قبضة الثقافة السائدة إلى الدخول أحياناً في مغامرة معرفية تنشد الإحاطة بجذور الصراع، تسأل عن تاريخ فلسطين وجغرافيتها، فكانت النتائج أحياناً مدهشة، إذ لم يدرك هؤلاء فقط أن فلسطين دولة عريقة، قائمة على الخرائط منذ عشرات القرون، بل وأيضاً أن إسرائيل لم تكن موجودة قبل عقود، أي حينما ولد أكبرهم عمراً.
هكذا تقدمت القضية الفلسطينية خطوات واسعة في معركة العقول والقلوب، لتحتل مكانها اللائق في ضمير الإنسانية، كقضية تحرر وطني من آخر وأقبح استعمار استئصالي.
ولكن يظل السؤال: هل يدوم صعود تلك السردية، وهل يكفي الدمار الذي حاق بالفلسطينيين حتى الآن لإقرار إسرائيل بحقهم في تقرير المصير وتشكيل الدولة فعلياً على الأرض بعد اعتراف أغلبية أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة بها قانونياً؟ للأسف لا، لأن الجهد السياسي الأساسي المفترض أن يبذله العرب، كونهم أصحاب القضية، لم يُبذل حتى الآن، فكيف يستجيب الآخرون لحق لم يطلبه أصحابه بعد، ولماذا يبذلون وحدهم جهداً عجز العرب عن أن يبذلوه؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك