الوحدة الوحدة من يعرقلها فعلياً؟رمضان كريم، لكن مصطلح الوحدة الوطنية شقي أيما شقاء في السودان منذ أن استقل هذا البلد معطوباً.
تلك سيرة وجع مبذولة ووقائع مبثوثة، فقد تطلعت النخب القيادية فيه إلى اصطناع هوية أحادية، أغفلت الواقع وذهلت عن الحقائق فجاء التطلع مشاتراً.
في بلد يسوده الأفارقة غير العرب وقع اختيار الهوية عروبياً، وفي موطن يعج بعديد الأديان والعادات والتقاليد تم اعتماده إسلامياً.
وفي كلا الخيارين كان الاختيار يجافي الواقع، فلا عروبة السودانيين مكتملة القوام ولا إسلامهم يؤوب إلى الصحابة الكرام.
إنها في الواقع مجرد مسح من هذا وذاك.
وخليط بين عادة ودين ولسان ولغة أم رطين.
ثم ترتب على تغول النخب القائدة النظر إلى كل مطلب بالحقوق في العدالة والإنصاف والاعتبار على أنه تآمر ضد مكون الهوية المحتوم، فمن يقول بغير العربية لسان لدولة السودان حاقد ومن يتحدث عن تعددية دينية مارق كفور.
ومن هنا نظر إلى مطلب الجنوبيين أوان نيل الاستقلال بوضع موقفهم في عين الاعتبار والقرار على أنه تمرد بغيض على ما شاءته الأقدار، والأقدار هنا صناعة بشر آخرين لهم رأي ليس بالضرورة أن يروق لجميع المواطنين، وكان ما كان من سيرة فظيعة ودرب قاس شاق من بحور الآلام ضحاياه ملايين، تارة تحت مزاعم دحر التمرد وتارات من أجل إعلاء راية الدين الذي في السودان هو دين الإسلام، وقد قالها صراحة عمر البشير الذي تربع على الحكم بثلاثين عام إنّ التعددية دغمسة أراحه الله من عنتها يوم انفصل الجنوبيون مهرولين بنسبة تصويت شارفت المائة بالمائة.
هنا ظهرت عورة الإدعاءات الفارغة عن الوحدة الوطنية التي اعتبرها الإسلاميون لأول عهدهم بالسلطة من ثوابت الإنقاذ ولكن هيهات لثابت يشيد على جرف هار.
في المقابل لم تعدم الساحة أطروحات مغايرة لفكرة الوحدة التماثلية هذه، فجاءت الوحدة في التنوع، ورافعتها نظام علماني يحفظ للجميع كافة الحقوق من يشاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فالدين لله وليس ملك تنظيم.
وكان أقوى الأطروحات وأوفقها في تقديري مشروع السودان الجديد بقيادة الراحل د.
جون قرنق، والذي للمفارقة حرم من صفة الشهيد التي توزعها الأدبيات على كل قتيل منتسب للحكومة يموت ولو في حادث سير.
هكذا تغلغلت فكرة الأحادية وغمط الحقوق تحت رداء الهوية المصنوعة قسراً.
اليوم يقف السودانيون أمام مفرق الطرق كعادتهم في الوقوف في هذه النقطة الحائرة، مضمضمة الشفاه يلوب بها اللسان بين الفكين، الوحدة الوطنية، ولا تعدم من هم في الخارج من بلدان من تضعها خطوطاً حمراء لأمنها الخاص ومنفعتها الذاتية دون اعتبار لمنافع السودانيين أو حقهم في الاختيار.
اليوم مطروح مشروع السودان الجديد عبر منصة تأسيس، تلك هي الوقائع كما تقول بوضوح.
وطن سوداني تعددي لكل المواطنين، نظام ودستور علماني صريح، حكم لا مركزي مكتمل السلطات، مبادئ فوق الدستورية لا تحتمل التأويل، سلطة مركزية رمزية اختيارية لا تفرض على الشعوب ما تريد، تستأصل قبائل أو تمنع مواطن من أبسط الحقوق تحت زعم الوحدة الوطنية، تلك فرية لم يعد يثق فيها الناس، وإن كانت قوات الدعم السريع المشتبه في ارتكابها انتهاكات جسيمة في الحرب من ضمن الموقعين على ميثاق التأسيس فهذا من باب تطوير المواقف عوضاً عن الوقوف في نقطة الكلام المعاد.
المحاسبة على الانتهاكات مجال والسير نحو بناء قاعدة صلبة للجم الانتهاكات في المستقبل سبيل التأسيس، وفي مسيرة الإنسان على الأرض شواهد لا تحصى أو تعد على العودة للرشد بعد ضلال، وفي بناء البلدان تجارب عديدة موجودة يمكن بها الاستهداء، فكل تجربة لا تورث حكمة لا يؤبه بها وما أتعس تكرار تجارب الفشل المقيت تحت نفس أدبيات السقم القديم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك