نادراً ما يُنظر إلى ألكسندر بوشكين (1799 - 1837) بوصفه ظاهرة موسيقية، رغم أن تأثيره في الأوبرا، ولا سيما الروسية منها، يكاد يوازي تأثيره في الأدب نفسه؛ فهو واحد من أكثر الكتاب حضوراً في تاريخ المسرح الموسيقي.
ولعل الاستثناءين الوحيدين في هذا السياق هما شكسبير وغوته.
مع ذلك، إذا استثنينا فاوست، بدا بوشكين أكثر حضوراً وتأثيراً من غوته في المخيلة الأوبرالية عموماً، والروسية خصوصاً.
لم يترك شاعر أثراً عميقاً في الموسيقى الروسية كما فعل بوشكين.
فقد استلهمت نصوصه، بما تحمله من بساطة وعمق، أجيالاً كاملة من المؤلفين، مثل غلينكا وتشايكوفسكي وموسورغسكي وريمسكي-كورساكوف، مروراً برحمانينوف وشوستاكوفيتش، وصولاً إلى سترافينسكي.
لم يكن هذا التأثير محصوراً في روسيا، بل امتد إلى خارجها، حتى نشأ التباس شائع حول صلة أوبرا" كارمن" بجو قصيدة" الغجر" عند بوشكين.
ورغم أن عمل جورج بيزيه مؤسس في الواقع على رواية قصيرة لبروسبير ميريميه الذي ترجم" الغجر" لبوشكين إلى الفرنسية، إلا أننا نرى أصداء" الغجر" حاضرة خلفيةً جمالية وثقافية أكثر منها مصدراً مباشراً.
غير أن ما يهم هنا هو العلاقة الخاصة التي نشأت بين بوشكين والأوبرا الروسية، وهي علاقة لا تقوم على الاقتباس وحده، بل على تحول النص الأدبي إلى مادة لبناء عوالم صوتية كاملة.
ويمكن تتبع هذه العلاقة عبر ثلاث محطات مفصلية في تاريخ الموسيقى الروسية مثل: " روسلان ولودميلا" لغلينكا، و" بوريس غودونوف" لموسورغسكي، أو في حياة مؤلفيها مثل أوبرا" مافرا" لسترافينسكي.
تحتل أوبرا روسلان ولودميلا (1842) لميخائيل غلينكا موقعاً مفصلياً في تاريخ الموسيقى الروسية، ليس لأنها تطرح الموضوع القومي (سبق أن فعل ذلك في" حياة من أجل القيصر" )، بل لأنها تؤسس طريقة جديدة يمكن وصفها بالقومية، خصوصاً على مستوى بناء العالم الموسيقي.
ففي هذا العمل، لا تعود القومية مضموناً تاريخياً أو خطاباً سياسياً، بل تصبح مبدأً جمالياً يحكم كيفية تحويل الأسطورة والفضاء الثقافي والاختلاف الحضاري إلى لغات صوتية متمايزة داخل نسيج أوبرالي واحد.
يعتمد غلينكا في الأوبرا على قصيدة بوشكين الملحمية ذات الطابع الحكائي الساخر، الحاملة العنوان نفسه، والمستلهمة من الفولكلور السلافي والبطولة الشعبية، لكنها مكتوبة بروح أدبية مرحة، تتجاور فيها البطولة واللمسة الساخرة.
غير أن غلينكا لا يسعى إلى ترجمة هذا النص أو شرحه موسيقياً، بل إلى إعادة خلقه وفق منطق المسرح الموسيقي، محولاً السرد الشعري الخفيف إلى فضاء احتفالي-ملحمي، تخف فيه النبرة الساخرة، ويبرز البعد الأسطوري بوصفه إطاراً جاداً لبناء عالم تخييلي واسع؛ فلا يعود الهدف تتبع حبكة محكمة بقدر ما يصبح الانتقال بين المشاهد أشبه بعبور مناطق مختلفة في جغرافيا عجائبية، ما دفع بعض مؤرخي الموسيقى إلى التأكيد أن منطق العمل ليس منطق الحبكة الدرامية المتصاعدة، بل منطق تعاقب اللوحات.
تكمن الأهمية الجمالية الكبرى للأوبرا في الطريقة التي تميز بها هذه العوالم موسيقياً.
فالعالم المرتبط بالبطولة الروسية وبفضاء كييف، يرسم عبر ألحان عريضة النفس، مستقرة نسبياً، ذات طابع غنائي واضح وبساطة نغمية تستحضر روح الغناء الشعبي من دون اقتباس مباشر.
في المقابل، حين ينتقل العمل إلى مناطق السحر أو الشرق المتخيل، تتغير اللغة الموسيقية بوضوح، فتظهر سلالم ذات مسافات لونية غير مألوفة في النظام الغربي التقليدي، وتكثر الزخارف اللحنية الملتوية، والإيقاعات الراقصة غير المتناظرة.
لا يعمل هذا التباين بوصفه زينة صوتية، بل بنية تنظم الفضاء الدرامي.
وقد رأى عدد من الباحثين في الموسيقى الروسية أن هذا الأسلوب أسس تقليداً كاملاً في الموسيقى الروسية يقوم على ترميز الفضاء الثقافي والحضاري بالصوت، وهو تقليد سيبلغ درجات عالية من الصقل عند ريمسكي-كورساكوف وبورودين.
تبنى شخصيات الأوبرا وفق هذا المنطق الأسطوري-الرمزي.
فروسلان ليس شخصية نفسية معقدة، بل بطل ملحمي ثابت الإرادة؛ ولودميلا صورة للبراءة والجمال المهدد؛ وتشيرنومور قوة سحرية مجردة من التعقيد الداخلي.
ولا يسعى العمل إلى تحليل الدوافع أو تشريح الداخليات النفسية، بل إلى تجسيد القوى والقيم داخل عالم عجائبي.
ولهذا تبدو الأوبرا أقرب إلى أسطورة مجسدة بالصوت منها إلى دراما نفسية.
تظهر براعة غلينكا في معالجته الأوركسترالية، إذ تستخدم الأوركسترا بوصفها جهازاً تصويرياً مستقلاً.
ويخلق توزع اللون بين الآلات الخشبية والنحاسية والوتريات تباينات مكانية وزمانية، بما يجعل المسرح يبدو وكأنه مضاء بالأصوات.
كذلك إن استبطان الأساليب الغنائية الشعبية داخل نسيج فني رفيع يمنح الموسيقى طابعاً صار يعرف لاحقاً بالـ" روسي"، من دون أن تتحول إلى فولكلور، وهو إنجاز سيترك أثراً تأسيسياً في تخيل لغة قومية موسيقية.
يتضح هنا الفرق الجوهري بين" روسلان ولودميلا" و" حياة من أجل القيصر".
ففي الأخيرة تتجلى القومية موضوعاً تاريخياً-سياسياً وصراعاً واقعياً بين جماعات بشرية، وتعمل الفروقات الموسيقية على تمييز هويات قومية متصارعة داخل حدث تاريخي.
أما في" روسلان ولودميلا"، فلا تُقدَّم القومية صراعاً سياسياً، بل كوناً تخييلياً؛ إذ لا يفصل التمييز الموسيقي أمماً متحاربة، بل يفصل بين مستويات وجود مختلفة: بشري، بطولي، سحري.
فـ" حياة من أجل القيصر" تؤسس الأوبرا الوطنية بوصفها خطاباً عن الأمة، و" روسلان ولودميلا" تؤسس الخيال القومي بوصفه بناءً جمالياً للعالم.
بهذا المعنى، تمكن قراءة" روسلان ولودميلا" بوصفها عملاً يؤكد أن الموسيقى ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل أداة لخلق عالم ثقافي كامل، تتحدد فيه الهوية عبر اللون والإيقاع، وليس عبر الكلمات وحدها.
هذا ما يجعل هذا العمل أحد النصوص المؤسسة للمخيلة الموسيقية الروسية.
في ما يخص موسورغسكي، فإذا كانت أشكال العلاقة بين النص الأدبي والعمل الموسيقي متعددة، وتراوح بين النقل أو الاقتباس المباشر، وإعادة صياغة، إلى غيرها من الأشكال؛ فإن" بوريس غودونوف"، الأوبرا التي ألفها موديست موسورغسكي على مسرحية لبوشكين بالاسم نفسه، لا تبدو امتداداً للمسرحية بقدر ما تبدو قطيعة هادئة معها؛ فهي لا تنقض النص، بل تعيد النظر في ما يمكن الفن أن يفعله بالتاريخ حين يتحول من الكلمة إلى الصوت.
كتب بوشكين مسرحيته في عشرينيات القرن التاسع عشر، متحرّراً من النموذج الكلاسيكي الفرنسي، ومقترباً أكثر من أسلوب شكسبير في تعدد الأمكنة وتقطيع المشاهد وتجاور الخاص والعام.
فالتاريخ عنده ليس سرداً للأحداث، بل فضاء يتقاطع فيه سؤال الشرعية السياسية مع الذنب الفردي.
ومع ذلك، تبقى هذه الأسئلة محكومة بمسافة تأملية واضحة، تفرضها لغة شعرية منضبطة الإيقاع، تجعل المأساة قابلة للرؤية من الخارج بقدر ما هي معيشة من الداخل.
في هذا الإطار، يظهر بوريس حاكماً معقداً، مأزوماً بين السلطة وذكرى الدم، لكنه يظل جزءاً من شبكة سياسية وتاريخية أوسع.
فالشعب حاضر، يتحرك، ويضغط، ويستثار، لكنه لا يتحول إلى بطل درامي مستقل، بل يبقى قوة محيطة بالفعل السلطوي.
أما عند موسورغسكي، فتصبح المسألة مختلفة.
فلم يعد التاريخ مادة للتأمل الشعري، بل تجربة نفسية وجمعية يجب سماعها.
فلا يتعامل مع بوشكين بوصفه نصاً ينبغي الحفاظ عليه، بل بنية يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها؛ إذ ينتقل مركز الثقل من البلاط إلى الساحة، ومن الفرد إلى الجماعة.
ومن ثم، لا يمكن اختزال العلاقة بين بوشكين وموسورغسكي في ثنائية الأمانة والخيانة للنص.
فقد كتب بوشكين دراما عن السلطة والشرعية بلغة شعرية كلاسيكية، بينما صاغ موسورغسكي ملحمة صوتية عن الذنب والتاريخ والضمير الجمعي.
بالحديث عن الضمير الجمعي، لا تؤدي الجموع في الأوبرا دور الجوقة التزيينية، بل تتحول إلى ضمير تاريخي حي.
فنسمع في مشاهد الدير والساحة والكرملين الخوف والتردد والتذمر بوصفها مادة درامية أساسية.
هكذا، لا تعود مأساة بوريس مأساة حاكم فقط، بل تصبح مأساة مجتمع يعيش تاريخاً مرتبكاً ومأزوماً.
ويرتبط هذا التحول بتغيير جذري في اللغة الموسيقية.
فبينما كتب بوشكين شعراً درامياً موزوناً، كسر موسورغسكي الوزن لمصلحة نبرة الكلام اليومي؛ إذ تنبثق الجملة من إيقاع اللغة المنطوقة ومن الحالة النفسية للشخصية.
وهذا ما جعل موسيقى موسورغسكي تبدو، في نظر معاصريه، خشنة أو غير مصقولة، وقد دفع ذلك ريمسكي كورساكوف إلى" تهذيبها" لاحقاً.
غير أن كثيراً من القراءات الحديثة ترى في هذه الخشونة جوهر جرأته وحداثته، ومحاولة واعية لجعل الموسيقى أداة كشف.
يتجلى الفرق بين العملين بوضوح في معالجة شخصية بوريس.
ففي مسرحية بوشكين، يعرض مأزقه عبر الحوار والتأمل، ضمن مسافة واضحة، بينما تنهار هذه المسافة في الأوبرا.
ويصبح الانهيار النفسي حدثاً موسيقياً في ذاته؛ إذ يُحاكى الجنون عبر تفكك الإيقاع، واضطراب الهارموني، وانكسار الخطوط اللحنية.
وفي هذا السياق، نذكر أنه كثيراً ما يُذكر مشهد هلوسات بوريس بوصفه مثالاً نادراً على تحويل الموسيقى إلى أداة تحليل نفسي.
كما ويتغير في الأوبرا التاريخ نفسه؛ إذ يترك بوشكين الحكم الأخلاقي مفتوحاً، ويعرض الصراع على العرش بوصفه واقعة تاريخية متعددة الوجوه، بينما يصور موسورغسكي التاريخ من زاوية عبئه المتكرر على الشعب.
لهذا، يكتسب صوت" الأحمق المقدس" في خاتمة الأوبرا ثقلاً رمزياً خاصاً، بوصفه تعبيراً عن براءة مهدورة وعن دورة عنف تبدو بلا نهاية.
وعلى مستوى البنية، ظهرت الأوبرا في أكثر من نسخة: فجاءت الأولى (1869) مكثفة ومظلمة وخالية من عناصر الغناء التقليدي والدور النسائي الكبير، ما أدى إلى رفضها مسرحياً.
فجاءت نسخة 1872، بإضافة الفصل البولندي وشخصية مارينا، استجابة لضرورات العرض أكثر منها وفاءً لجوهر النص.
وقد رأى بعض الدارسين أن هذه الإضافة، على أهميتها، قد خففت من التوتر التراجيدي الذي يميز النواة الأصلية للأوبرا.
أما" مافرا" التي تبرز من قلب التحول الجذري الذي طرأ على موسيقى إيغور سترافينسكي بعد الحرب العالمية الأولى، فتعتبر واحدة من أهم اللحظات التي تجسد ميله نحو النيو‑كلاسيكية.
وليست تلك المرحلة مجرد عودة شكلية إلى جماليات الماضي، بل قراءة جديدة للماضي من منظور القرن العشرين، إذ تعاد لغة الموسيقى الكلاسيكية إلى الحياة عبر منظور حديث مشحون بالإيقاع والنكتة.
بهذا المعنى، تبدو" مافرا" تجربة فنية متقشفة موسيقياً ومنظمة بدقة متناهية، لكنها لا تفقد الحيوية الطريفة التي تميز أسلوب سترافينسكي، وهو أسلوب يجمع بين الانضباط الكلاسيكي والجرأة الحداثية معاً.
يعتمد نص الأوبرا (الليبرتو) على القصة القصيرة لبوشكين" المنزل الصغير في كولومنا"، الذي صاغه بوريس كوخنو من دون أن ينقله كما هو، بل أعاد تشكيله درامياً، ليحوله إلى مادة قابلة للغناء، فيصبح التفاعل بين الموسيقى والكلمة ممكناً.
فهنا، لا تصطف الآريات إضافةً صوتية إلى النص، بل تنبثق من داخل المشهد الدرامي نفسه، فنجد آريات ودويتو ومقاطع كورالية تجعل للأحداث طابعاً جماعياً نابضاً بالحياة.
وبهذا، تصبح الموسيقى في" مافرا" كما في" روسلان" و" بوريس" عنصراً فاعلاً في السرد، توجِّه المشاهد نحو الفكاهة الإنسانية التي تختزنها الحياة اليومية الروسية في القرن التاسع عشر.
إذ قد تبدو قصة الحب بين باراشا وفاسيلي وتنكره خادمةً للقائها بسيطة، لكنها تكشف من خلال التفاصيل الصغيرة عادات المجتمع، وتوتراته العاطفية، عبر موسيقى قصيرة مركزة.
ومن الناحية الأسلوبية، تظهر" مافرا" أسلوب سترافينسكي الناضج، الذي على الرغم من إمكان رؤية تأثر لديه بأساليب المؤلفين الروس مثل غلينكا وتشايكوفسكي وحتى أستاذه ريمسكي-كورساكوف، إلا أنه ظل محافظاً على استقلاليته الفنية.
يستخدم سترافينسكي إيقاعات متكررة قد تبدو أحياناً نبضاً داخلياً للفضاء الدرامي، ولحظات مقطعية تنقطع فيها الموسيقى كما لو أن الزمن توقف قليلاً، وتركيبات ذكية تجعل الصوت يتناغم مع الحركة والحوار، بما يجعل الشخصية غير قابلة للفهم إلا عبر الموسيقى التي ترافقها، فتصبح الموسيقى في" مافرا" دلالة درامية بقدر ما هي جمال صوتي.
يرى عدد من الباحثين، ومن بينهم ريتشارد تاروسكين، أن النيو-كلاسيكية عند سترافينسكي لا تمثل عودة إلى الماضي بقدر ما تمثل إعادة توظيف واعية له ضمن منظور حداثي.
فالعناصر الكلاسيكية لا تستعاد نماذجَ مكتملةً، بل تعاد صياغتها داخل بناء جديد يعكس حساسية القرن العشرين تجاه الزمن والصوت.
يتجلى ذلك بوضوح في" مافرا"، فلا يقتصر الأمر على استدعاء الأساليب السابقة، بل يتجاوزها إلى دمجها درامياً بحيث تصبح الموسيقى امتداداً للحوار وتوسيعاً لدلالاته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك