حرب أوكرانيا دخلت العام الخامس، وسط أطول ماراتون يديره الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهائها.
وكلما كثرت الأحاديث عن الاقتراب من التسوية، أوحت الوقائع أنها تبتعد.
وإذا كانت معاركها محصورة في الميدان الجغرافي، فإن مضاعفاتها تبدو بلا حدود في كييف وموسكو وواشنطن وعواصم أوروبا ولعبة الأمم.
الأوكرنيون والروس متعبون من دفع الأثمان المادية والبشرية، والأوروبيون والأميركيون مرهقون من الحجم الضخم للمساعدات التي يقدمانها لأوكرانيا.
وليس أخطر من الهجوم الروسي على الجار والشريك السابق في الاتحاد السوفياتي سوى التسوية، التي يدور التفاوض عليها في واشنطن وموسكو وجنيف وفلوريدا وسواها.
ذلك أن الهجوم كان، بعد ضم شبه جزيرة القرم وفصل إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن جورجيا بالسلاح الروسي، أكبر خروج على معاهدة هلسنكي التي ضمن فيها الشرق والغرب الاعتراف بحدود الدول الأوروبية كما استقرت عليها بعد الحرب العالمية الثانية.
لا بل أكبر خرق لاتفاق بودابست الضامن لوحدة أوكرانيا وسلامة أراضيها، والحامل توقيع الرئيس فلاديمير بوتين.
فالرجل الذي انهار جدار برلين على ساعته كضابط من" كا.
جي.
بي" في ألمانيا، وجاء به الرئيس يلتسين إلى السلطة، فعل ما امتنع عن فعله ستالين وحلفاؤه في الكرملين بعد الحرب العالمية الثانية، فارتدى ثياب" القيصر" وقام بما عاشت عليه روسيا القيصرية من غزوات في أوروبا وخارجها، وصلت إلى قصف بيروت أيام كاترين العظمى.
والتسوية، بحسب المسودات الخاضعة للتفاوض الصعب، هي مكافأة بوتين على خرق ميثاق الأمم المتحدة والتسليم له بحيازة أراض أوكرانية بالقوة المسلحة.
وهذا ما فعلته إسرائیل باالأراضي العربية، ولا سيما بما ضمته إليها رسمياً، من الجولان السوري إلى القدس الفلسطينية، وكان ترمب هو الرئيس الوحيد الذي اعترف بالضم.
فما الذي يمنع ترمب، بعد هذا المثال، من ضم غرينلاند أو كندا أو قناة بنما بعدما خطف مادورو وزوجته من فنزويلا بالقوة؟ ما الذي يحد من طموح بوتين لضم مولدوفا أو أقله لضم إقليم نراتشيستريا الذي يضم 220 ألف شخص من أصل روسي؟ وإلى أين تقود سياسة ضم كل أرض تعيش فوقها أقلية من أصل روسي؟ أليس هذا ما فعله هتلر بالنمسا وإقليم في تشيكوسلوفاكيا؟أوروبا خائفة من هجوم روسي على الجناح الشرقي لـ" الناتو" في فنلندا ودول البلطيق الثلاث، وموسکو تحاول طمأنة الأوروبيين إلى أنها لا تنوي مهاجمة دول" الناتو".
والسؤال هو: لماذا تخاف أوروبا من روسيا؟ لماذا تخاف دول" الناتو" التي تمثل روسيا خمسة في المئة من اقتصادها، بحسب الأمين العام للحلف مارك روته؟لا حاجة إلى ترداد قول روبرت کاغان في کتاب" الجنة والقوة"، وهو" الأميركيون من مارس والأوروبيون من الزهرة".
ولا ضرورة للتذكير بقول سيمون سرفاتي من مركز دراسات في وارسو، " إن أوروبا قوة في العالم، لكنها ليست قوة عالمية".
وإذا كان هجوم بوتين لأوکرانیا وضغط ترمب على دول" الناتو" لرفع موازناتها العسكرية إلى خمسة في المئة من الدخل القومي قد دفعا نحو" عسكرة أوروبا"، فإن العسكرة تحتاج إلى شيء أبعد من التسلح، والشواهد كثيرة.
أوروبا المعسكرة من القرن الـ19 إلى القرن الـ20 كانت قوية على مستعمراتها في آسيا وأفريقيا، لكنها احتاجت في الحروب بين دولها إلى أمیرکا لخوض الحربين العالميتين الأولى والثانية وربح الحرب الباردة وحل مسألة كوسوفو، وبقية الصراعات في يوغوسلافيا السابقة.
والحل الذي يقترحه رئيس لاتفيا إدغار ربيتكيفكن هو الأمر البسيط والتقليدي:
" أوروبا يمكن أن تحقق سلاماً طويل الأمد، إذا كانت حاضرة لحرب".
أوروبا على حق في رفض أن تتخلى أوكرانيا عن أربع مقاطعات من أرضها يريدها بوتين كوجبة أولى، غير أنها تدرك وضع الرئيس فولوديمير زيلنسكي الذي لا يستطيع إكمال الحرب من دون مساعدات مالية وعسكرية أوروبية وأميركية، ولا التمرد على مطالبة ترمب له بالإسراع في التسوية بحجة أنه" خسر الحرب" في رأي الرئيس الأميركي، الذي يريد تسوية سريعة مهما يكن الثمن كبيراً بالنسبة إلى كييف، لكن روسيا التي هاجمت أوكرانيا متصورة أن احتلالها لن يستغرق سوى أسبوع، بحيث حمل الجنود ثياب الاستعراض بالنصر، احتاجت إلى أربعة أعوام لاحتلال أقل من 20 في المئة من البلد، وهي بهذا المعنى ليست منتصرة أو ليست قادرة على الهرب من الثمن الذي دفعته.
ففي مقالة تحت عنوان" نهاية الحرب: ثمن الاحتلال الروسي" كتبت الصحافية الأوكرانية ناتالي غومينديوك: " إن التركيز ليس فقط على مساحة الأرض المحتلة، بل أيضاً على ما يفعله الاحتلال بالسكان في المناطق الخاضعة له وكيف يوظفهم ضد بلادهم".
وكتب ألكسندر غابوييف أن حرب أوکرانیا" غیرت روسیا أكثر مما يتصور الجميع، وصارت أكثر قمعاً وعداء للغرب".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).
ومن النكات السوداء أن يقول بوتين إنه" ليس مسؤولاً عن الضحايا، لأن أوکرانیا هي التي بدأت الحرب"، وأن الغرب يمول" مؤامرة لتفكيك روسيا".
فهو أصلاً أنكر وجود أوكرانيا كبلد وشعب، وما ينطبق على تصوراته هو قول تاتيانا كوليستايا حفيدة توليستوي إنه" لا يمكن التنبؤ بماضي روسيا، فهناك أكثر من ماض، وكل روسي يخترع تاريخاً على ذوقه".
" وما بعد الحرب أكثر صعوبة من الحرب"، كما يقول الخبير الاستراتيجي الأميركي أنطوني كوردسمان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك