مع دخول شهر رمضان، تتحول أجواء البيت إلى خلية عمل نشطة، تتضاعف فيها المسؤوليات اليومية، وتزداد فيها التوقعات الاجتماعية.
ورغم روحانية الشهر ودفئه الأسري، إلا أن كثيرًا من الأمهات يشعرن بضغط مضاعف بين إعداد الطعام، وتنظيم مواعيد الأبناء، والاهتمام بالعبادات، ومتابعة تفاصيل المنزل.
وهنا يبرز دور الأب ليس كمساند عابر، بل كشريك حقيقي في صناعة أجواء رمضانية هادئة ومتوازنة.
أكدت الدكتورة عبلة إبراهيم استاذ التربية ومستشارة العلاقات الأسرية، أن دور الأب في تخفيف ضغط رمضان عن الأم مسؤولية إنسانية وأسرية، تليق بروح هذا الشهر الذي يقوم أساسًا على الرحمة والتراحم.
أضافت الدكتورة عبلة، أن الضغط الذي تعيشه الأم في رمضان لا يقتصر على الوقوف في المطبخ لساعات قبل الإفطار.
هناك ضغط ذهني مستمر: ماذا سنأكل اليوم؟ هل الطعام كافٍ؟ هل الأبناء أتمّوا صيامهم بشكل صحي؟ هل أنجزوا مذاكرتهم؟ هل البيت جاهز لاستقبال ضيوف محتملين؟هذا العبء الذهني يُعرف في علم النفس باسم" الحمل الذهني"، وهو غالبًا غير مرئي لكنه مرهق للغاية.
وعندما لا يشعر الأب بهذا الحمل، أو يتعامل معه باعتباره جزءًا طبيعيًا من دور الأم، يتضاعف الضغط عليها نفسيًا، وقد يتحول الشهر من موسم روحاني إلى موسم إنهاك.
الأب شريك في المسؤولية… قبل أن يكون داعمًا.
في النموذج الأسري المتوازن، الأب ليس ضيفًا على مائدة رمضان، بل شريك في إعدادها معنويًا وعمليًا.
المشاركة لا تعني بالضرورة أن يقف لساعات في المطبخ، لكنها تعني أن يتحمل جزءًا من المسؤوليات اليومية، سواء في شراء الاحتياجات، أو ترتيب السفرة، أو متابعة الأبناء، أو حتى اقتراح تقليل عدد الأصناف لتخفيف العبء.
وقد كان قدوة المسلمين محمد صلى الله عليه وسلم يشارك أهله في شؤون البيت، كما ورد في الأحاديث، ما يعكس قيمة المشاركة والتعاون داخل الأسرة.
1.
إعادة تعريف “العزومات” والتوقعات.
يمكن للأب أن يكون صوت العقل داخل الأسرة، فيقلل من الضغوط المرتبطة بكثرة الدعوات أو المبالغة في إعداد الطعام.
عندما يعلن بوضوح أن البساطة مقبولة ومحببة، يخفف عن الأم عبئًا نفسيًا كبيرًا.
حتى المهام الصغيرة تصنع فارقًا:
هذه التفاصيل تمنح الأم فرصة للراحة أو العبادة أو حتى الجلوس بهدوء.
3.
الدعم العاطفي لا يقل أهمية عن العملي.
كلمة تقدير، أو ملاحظة إيجابية عن الطعام، أو سؤال بسيط مثل “هل تحتاجين مساعدة؟ ” قد يغير مزاج يوم كامل.
التقدير ينعكس طاقة إيجابية داخل البيت، ويُشعر الأم أن مجهودها مرئي ومُقدَّر.
رمضان ليس فقط شهر العطاء، بل شهر التزود الروحي.
حين يتولى الأب مسؤولية الأبناء لبعض الوقت، يمنح الأم فرصة لقراءة القرآن، أو صلاة قيام، أو حتى قيلولة قصيرة تعيد إليها توازنها.
عندما يرى الأبناء أباهم يشارك في ترتيب البيت أو يساعد في إعداد الإفطار، تتشكل لديهم صورة صحية عن مفهوم الشراكة الزوجية.
يتعلمون أن المسؤولية مشتركة، وأن احترام مجهود الأم ليس مجرد كلمات بل أفعال.
هذا النموذج يرسّخ قيم التعاون والرحمة، ويمنع ترسيخ أفكار تقليدية قد تُحمّل المرأة وحدها عبء البيت مستقبلًا.
تخفيف الضغط… استثمار في العلاقة الزوجية.
رمضان قد يكون فرصة لتعميق العلاقة بين الزوجين، أو على العكس قد يكشف هشاشتها.
مشاركة الأب تخفف الاحتقان الذي قد يتصاعد قبل أذان المغرب بسبب الجوع والإرهاق.
كثير من الخلافات الزوجية في هذا التوقيت لا تكون بسبب مشكلة حقيقية، بل نتيجة توتر وتعب متراكم.
حين يشعر كل طرف أن الآخر يسانده، يقل التوتر وتزداد المودة.
ويتحول وقت ما قبل الإفطار من ساحة عصبية إلى لحظات استعداد روحاني مشترك.
ماذا لو كان الأب يعمل لساعات طويلة؟حتى في حال ضغط العمل، يمكن للأب أن يخفف عن الأم بطرق بسيطة:
التخطيط المسبق لوجبات أسبوع كامل.
إحضار مستلزمات المنزل في يوم إجازته.
تخصيص يوم في الأسبوع لطلب طعام جاهز.
الفكرة ليست في عدد الساعات، بل في الإحساس بالمشاركة.
رسالة للأب… رمضان ليس اختبارًا للأم وحدها.
الأم لا تحتاج إلى إشادة موسمية بجهدها، بل إلى شريك دائم.
رمضان فرصة ذهبية لإعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة بروح تعاون لا بروح انتقاد.
عندما يتقدم الأب خطوة، تتراجع مشاعر الإرهاق خطوة، ويتسع البيت لسكينة حقيقية.
والأهم أن تخفيف الضغط عن الأم لا يخدمها وحدها، بل يخدم استقرار الأسرة كلها.
أم هادئة تعني بيتًا أكثر دفئًا، وأبناء أكثر اتزانًا، وزوجية أكثر انسجامًا.
في النهاية، رمضان ليس مائدة عامرة فقط، بل هو حالة روحية جماعية.
وحين يتشارك الأب والأم في صناعته، يصبح الشهر مساحة حب ورحمة، لا سباقًا في الاحتمال والصبر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك