في الشهر الفضيل تتبدل إيقاعات الحياة.
تهدأ المدن قليلًا، تتقارب العائلات أكثر، وتبدو القلوب أكثر استعدادًا للإصغاء.
غير أن السؤال الذي يستحق التأمل هو: هل يبقى هذا الصفاء حبيس الموسم، أم يمكن أن يتحول إلى ثقافة يومية تحكم علاقاتنا داخل البيوت وفي الفضاء العام؟التسامح، في جوهره، ليس شعارًا أخلاقيًا بقدر ما هو مهارة اجتماعية.
إنه القدرة على إدارة الاختلاف دون تحويله إلى قطيعة، وعلى معالجة الخطأ دون تضخيمه إلى أزمة مستمرة.
فالمنازل لا تهتز بسبب الخلافات ذاتها، بل بسبب طريقة التعامل معها.
كلمة قاسية في لحظة انفعال، صمت طويل بعد سوء فهم، أو تمسك برأي بوصفه معركة كرامة… كلها تفاصيل صغيرة قد تتراكم حتى تصنع فجوة يصعب ردمها.
في السياق الأسري، يمثل التسامح صمام أمان.
ليس لأنه يُنكر الخطأ أو يبرره، بل لأنه يمنع الخطأ من التحول إلى جدار نفسي بين الأفراد.
حين يختار أحد أفراد الأسرة التهدئة بدل التصعيد، أو المبادرة بالاعتذار بدل انتظار اعتذار، فإنه لا يخسر موقعًا بل يربح استقرارًا.
فالعلاقات المتينة لا تقوم على غياب الاحتكاك، بل على وجود مرونة تسمح بتجاوزه.
أما على مستوى المجتمع، فإن الحاجة إلى التسامح تبدو أكثر إلحاحًا.
فتنوع الآراء، واختلاف الخلفيات، وتعدد القراءات للأحداث، كلها سمات طبيعية لأي مجتمع حي.
غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف إلى تصنيف، والتباين إلى تخوين، والنقاش إلى خصومة دائمة.
في هذه الحالة، لا يكون الخلاف هو الأزمة، بل غياب المساحة الآمنة لإدارته.
التسامح المجتمعي لا يعني التخلي عن القناعات، ولا الذوبان في رأي الأغلبية، بل يعني الاعتراف بحق الآخر في أن يرى العالم من زاويته.
إنه يخلق بيئة تسمح بالحوار دون خوف، وبالنقد دون إهانة، وبالمراجعة دون شعور بالهزيمة.
وبهذا المعنى، يصبح التسامح ركيزة للاستقرار الاجتماعي، لا مجرد فضيلة فردية.
الشهر الفضيل يمنح فرصة لإعادة النظر في الكثير من العادات، ومن بينها طريقة تعاملنا مع بعضنا البعض.
فكما نراجع سلوكنا اليومي ونضبط إيقاع حياتنا، يمكن أن نراجع أيضًا أسلوب خلافنا، وحدود غضبنا، وسرعة أحكامنا.
ليس المطلوب أن نكون مثاليين، بل أن نكون أكثر وعيًا بتأثير كلماتنا ومواقفنا على من حولنا.
ربما لا يحتاج عالمنا اليوم إلى مزيد من الأصوات المرتفعة بقدر حاجته إلى قلوب أوسع.
فالتسامح ليس ترفًا أخلاقيًا، ولا شعارًا موسميًا، بل ضرورة لبقاء العلاقات سليمة والمجتمعات متماسكة.
وحين نختار أن نُخفف حدّة أحكامنا، وأن نُحسن الظن قبل إصدار القرار، فإننا لا نمنح الآخرين فرصة فحسب، بل نمنح أنفسنا مساحة أهدأ للحياة.
في النهاية، التسامح ليس أن ننسى كل شيء، بل أن نقرر ألا نحمل كل شيء معنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك