(ماجستير الترجمة، كلية الألسن جامعة قناة السويس).
“بلغني أيها الملك السعيد ذو الرأي الرشيد…”.
بهذه الجملة التي ما إن تُقال حتى يعود بنا الزمن إلى أمسيات رمضانية دافئة، كانت الحكاية تبدأ، وكان السحر يتسلل إلى بيوتنا مع صوت الراوي.
لم تكن “ألف ليلة وليلة” مجرد عمل درامي يُعرض في الشهر الكريم، بل كانت طقسًا رمضانيًا أصيلًا، يجتمع حوله أفراد الأسرة بعد الإفطار، بشغف لا يقل عن شغف شهريار نفسه وهو ينتظر تكملة الحكاية.
داخل تلك القصة الكبرى كانت تتشكل مئات القصص، في نسيج متشابك ودقيق، يشبه خيوط العنكبوت في إحكامها وجمالها.
شهرزاد… تلك البطلة الذكية، لم تنقذ حياتها بالسيف، بل بالكلمة.
جعلت من الحكاية درعًا يحميها، ومن التشويق وسيلتها لترويض قسوة شهريار.
كانت تدرك أن القصة الجيدة لا تنتهي عند حدود السرد، بل تبدأ عند لحظة الترقب، حين يتأجل البوح وتُؤجَّل النهاية.
ومن المدهش أن “ألف ليلة وليلة” لم يكن لها مؤلف واحد، بل تشبه المطبخ الشرقي العامر، امتزجت فيه الحكايات وتنوعت مصادرها، حتى خرج لنا هذا العمل الثري، الذي حمل روح الشرق وسحره وغموضه.
ولا يمكن أن تمر ذكريات رمضان دون أن نستحضر شريهان، وفوازيرها المرتبطة بعالم “ألف ليلة وليلة”، وتجسيدها لشخصية شهرزاد، التي التصق اسمها بالحكايات والعوالم الساحرة.
كانت الفوازير جزءًا من بهجة الشهر، مثلها مثل الفانوس وصوت المدفع.
الغريب أن تلك القصص، رغم تكرارها، لا يصيبها الملل.
كل عام يظهر عمل جديد يحمل اسم “ألف ليلة وليلة”، ورغم معرفة الجمهور بالإطار العام، فإن الشغف لا يتبدد.
ربما لأن الحكاية في جوهرها ليست عن شهريار وشهرزاد فقط، بل عن الإنسان حين يجد في القصص عزاءً، وفي الخيال مهربًا، وفي الانتظار لذة لا تُقاوم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك