تتسارع التغييرات في الهياكل الاقتصادية في العالم إلى درجة تربك العقول.
مستوى التسارع هذا قد يتماهى مع قدرات الذكاء الاصطناعي على التحليل السريع، ولكن لا يتوافق مع الهدوء الذي يحتاج إليه العقل البشري للوصول إلى خلاصات.
العنصر الأساس الذي يحرّك هذه التغييرات يحتاج إلى فترة من التأمّل: الذكاء البشري الذي كان سلعةً إنتاجيةً نادرةً تتسابق إليها الشركات وتدفع أجوراً مرتفعة لمن يمتلكها وترتكّز عليها كل قطاعات الاقتصاد تقريباً لتحقق التطور والثروات، لم يعد سلعة نادرة، بل منتج متوافر بكثرة، والأهم أنه لم يعد بشرياً، وما كان يسمّى" رأس المال البشري المعرفي"، قد يتبدل مفهومه إلى الأبد.
نتيجة التبدّل الكبير هذا ليست ببساطة النقلة الحاصلة في نوع الإنتاج وقيمته المضافة، وإنما ضخمة وتنذر بما يمكن أن يكون اتجاه العالم نحو اقتصاد بعقول بديلة، من اقتصاد مصمّم على أن يكون الذكاء البشري هو أساس المنظومة المالية العالمية من الاستهلاك والضرائب والقروض والتطور وصولاً إلى النمو.
ملايين من الموظفين ممن يطلق عليهم صفة الياقات البيضاء أصبح ذكاؤهم بلا ثقل في دورة الاقتصاد، بل أصبح استبدالهم بتطبيقات وأنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي سهلاً لا بل منظوراً.
يذكر بحث شركة سيتريني الصادر الاثنين الماضي مثلاً أن" الذكاء البشري استمدّ قيمته الجوهرية من ندرته.
وكل مؤسسة في اقتصادنا، من سوق العمل إلى سوق الرهن العقاري إلى قانون الضرائب، صُمّمت لعالم يسود فيه هذا الافتراض، فالنظام المالي، الذي حُسّن على مدى عقود لعالم يعاني من ندرة العقول البشرية، يُعيد تقييم نفسه.
هذه العملية مؤلمة، وغير منظّمة، ولم تكتمل بعد".
تبعات هذا الاستبدال ضخمة على كل ما نعرفه في الاقتصاد القائم.
دورة الاستهلاك التي تقوم على حجم الإنفاق المرتكز على الطبقة الوسطى، أي الياقات البيضاء، ستتعرّض لهزات كبيرة.
الموظف الذي كان يتقاضى راتباً يمكّنه من شراء السلع سيتقلص راتبه حين ينتقل إلى وظائف أقل مردودية، والشركات التي كانت تقدّم خدمات مرتبطة بالذكاء البشري لن يعود لوجودها معنى، والدورة المالية القائمة على الاقتراض والسداد ستنكسر، وإيرادات الموازنات العامة المرتكزة على الضرائب على الأجور والاستهلاك والرسوم الجمركية ستتقلص.
ملايين من الموظفين ممن يطلق عليهم صفة الياقات البيضاء أصبح ذكاؤهم بلا ثقل في دورة الاقتصاد، بل أصبح استبدالهم بتطبيقات وأنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي سهلاً لا بل منظوراً.
كلها افتراضات واقعية، وسط موجة بدأت تظهر جلياً في عدد الموظفين الذين يُصرفون من أعمالهم.
وإن كانت الشركات الكبرى تصرف الآلاف وتتصدّر عناوين الأخبار، إلا أن الشركات المتوسطة والصغيرة تقوم، وقد تستمر، بعمليات صرف مشابهة، قد يكون عدد المصروفين منها أضخم بحكم هيمنة الشركات الصغيرة والمتوسطة على بنية الاقتصادات، ما يعني أن موجة البطالة المقبلة لن تكون سهلة في السنوات المقبلة.
يمكن قراءة بعض المؤشرات مما نشره موقع" ترو أب" المتخصّص في تتبع تسريح العمال في قطاع التكنولوجيا.
إذ إنه حتى يوم أمس الثلاثاء سجلت 119 حالة تسريح في عام 2026 في شركات التكنولوجيا وحدها من دون ذكر أي قطاع آخر، تأثر بها 42,106 أشخاص (بمعدل 766 شخصاً يومياً).
وفي عام 2025، سجّلت 783 حالة تسريح في شركات التكنولوجيا، تأثر بها 245,953 شخصاً (بمعدل 674 شخصاً يومياً).
الأمثلة عن حجم الصرف من العمل بسبب استبدال الذكاء البشري بالاصطناعي متعددة، لكنها تُرفق دائماً بعبارات يلوكها أصحاب الشركات بأن سوق الذكاء الاصطناعي سيخلق وظائف جديدة تفيض عن حجم النقص الحاصل بسبب الصرف من العمل.
إلا أن تتبّع ماهية الوظائف الجديدة يفيد بخلق اختصاصات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وتصحيح المخرجات ومحللي البيانات المتقدمة، واختصاصيي الأمن السيبراني المعتمد على الذكاء الاصطناعي، وغيرها من الوظائف التي لا تتلاءم مع اختصاصات وخبرات عدد كبير ممن سيطاولهم الصرف بسبب الذكاء الاصطناعي.
يتوقع تقرير" بروكينغز انستتيوشن" في يناير 2026 أن نحو" 30% من المصروفين يفتقرون إلى المهارات التقنية التأسيسية التي تتطلبها وظائف الذكاء الاصطناعي الجديدة".
لكن حين النظر إلى الـ 70% من المصروفين من قطاعات البرمجة، والهندسة، والتحليل المالي والذين لديهم خلفية تقنية قوية، فهؤلاء لن يحصلوا على مستوى الرواتب ذاته الذي كانوا سيتقاضونه في وظائف أنفقوا آلاف الدولارات على تعلّم خصائصها في الجامعات، وأمضوا سنوات لمراكمة الخبرات في مؤسساتهم.
ما يعني أن التأثير على دورة الاستهلاك سيكون حقيقياً ومؤلماً.
يحيل عدد من المحللين الاتجاه في استبدال الذكاء البشري بالاصطناعي أيضاً إلى تزايد السياسات القاسية في الدول الكبرى التي تطاول المهاجرين، خاصة المهنيين منهم، من حيث قيام الحكومات بخطوات استباقية للمستقبل القاتم في سوق العمل.
تقرير شركة سيتريني للأبحاث الذي هزّ أسواق الأسهم خلال اليومين الماضيين، وضع سيناريو افتراضياً لتقرير سيكتب في أكتوبر من العام الحالي عن اتساع تأثير التغيير التكنولوجي في السباق نحو الهاوية في مجال العمل المعرفي المكتبي.
وشرح أن انخفاضاً بنسبة 2% في وظائف ذوي الياقات البيضاء يترجم إلى انخفاض بنسبة 3-4% تقريباً في الإنفاق الاستهلاكي التقديري.
وإن كانت بيانات التقرير هذه تشرح عن التأثير في الاستهلاك، إلا أن التداعيات فعلياً تطاول منظومة الاقتصاد العالمي كله.
إذ إنّ فورة الذكاء الاصطناعي تطاول غالبية دول العالم، وتراجع الاستهلاك ليس موضعياً، والتأثير لن يطاول قطاعاً دون غيره، وتراجع الأرباح سيكون واسعاً ولن يستطيع خفض تكاليف العمالة تغطيته في كل القطاعات التي ستتعرض لهذه الموجة.
يفترض سيناريو سيتريني" أزمة مالية" مقبلة.
والسبب يعود إلى أن شركات البرمجيات المدعومة قد تبدأ بالتخلف عن سداد القروض مع استبدال خدماتها بالذكاء الاصطناعي، وتتبعها شركات تابعة لمحفظة الاستثمار الخاص في قطاعي خدمات المعلومات والاستشارات.
وكذا شركات الائتمان، والتأمين، وغيرها من القطاعات التي بدأ الذكاء الاصطناعي باستبدال خدماتها.
وهذا التعثر سيكون الحدث الأبرز في السيناريو الافتراضي المزعوم.
عملياً يقوم الاقتصاد العالمي بغالبية قطاعاته على طبقة الياقات البيضاء وعلى مفهوم بأن هذه الطبقة هي الأكثر استقراراً مالياً والأكثر تحوطاً وادخاراً، ولكن يورد تقرير سيتريني مؤشراً مخيفاً حيث يبلغ حجم سوق الرهن العقاري السكني في الولايات المتحدة حوالي 13 تريليون دولار بحسب تقرير بنك الاحتياطي الفيدرالي الصادر الشهر الحالي.
وتعتمد عملية منح الرهن العقاري على افتراض أساسي مفاده أن المقترض سيظل موظفاً بمستوى دخله الحالي تقريباً طوال مدة القرض، والتي تمتد لثلاثين عاماً في معظم حالات الرهن العقاري.
لكن مع صرف ذوي الياقات البيضاء، سيتبدد هذا الافتراض تماماً، والفئة الاجتماعية التي لطالما كانت الأكثر حصانة ضد التعثر، ستتحول فجأة إلى المركز الأساس لعدم القدرة على سداد القروض، والأهم أن" النظام لم يصمّم لمواجهة أزمة كهذه".
فورة الذكاء الاصطناعي تطاول غالبية دول العالم، وتراجع الاستهلاك ليس موضعياً، والتأثير لن يطاول قطاعاً دون غيره، وتراجع الأرباح سيكون واسعاً ولن يستطيع خفض تكاليف العمالة تغطيته في كل القطاعات التي ستتعرض لهذه الموجة.
عملياً شهدت أسواق الأسهم تأثيرات الذكاء الاصطناعي في حراك الشركات داخل الاقتصاد، بمعالم واضحة جداً خلال فبراير/ شباط الحالي.
إذ هبطت أسهم الشركات التي يمكن للذكاء الاصطناعي الحلول مكانها، فيما يترقّب المستثمرون سقوط المزيد من القطاعات.
كان أول الضحايا أسهم قطاع البيانات والخدمات القانونية، الذي اعتبر مركز الزلزال في 3 فبراير بعد الإعلان عن تطبيقات وأنظمة قائمة على الذكاء الاصطناعي متخصصة في التحليل القانوني والضريبي المعقد.
ثم انهارت أسهم الشركات الكبرى في قطاع برمجيات الشركات، للسبب ذاته، وحصل الأمر ذاته في قطاع التأمين والوساطة بعد إطلاق أدوات مقارنة وتحليل المخاطر الفورية التي تغني عن" وسيط التأمين" التقليدي.
ثم أسهم العقارات والخدمات المهنية، وصولاً إلى قطاع" صناديق الثروة" وإدارة الأصول، بعد إطلاق أدوات ذكاء اصطناعي قادرة على أتمتة استراتيجيات الضرائب المعقدة وتوزيع المحافظ الاستثمارية بدقة فائقة.
يحيل عدد من المحللين الاتجاه في استبدال الذكاء البشري بالاصطناعي أيضاً إلى تزايد السياسات القاسية في الدول الكبرى التي تطاول المهاجرين، خاصة المهنيين منهم، من حيث قيام الحكومات بخطوات استباقية للمستقبل القاتم في سوق العمل والذي يتغذى من أفكار اليمين المتطرفة ضد المهاجرين وسيساهم بدوره في تصاعد سيطرة اليمين على الحكم.
المهاجرون الذين كانوا يسدون نقصاً في أسواق العمل هذه مع اتجاه المواطنين الأصليين إلى وظائف الياقات البيضاء المكتبية، أصبحوا مع فورة الصرف من الوظائف، التي من المتوقع أن تستمر وتتصاعد، يقلّصون فرص الياقات البيضاء بعد صرفها، حين تبحث عن مكان جديد لها في سوق العمل.
ما يعني أن التغييرات لن تنحصر في أسس الاقتصاد المستقبلي، لا بل ستتمدد إلى أشكال السلطات السياسية المقبلة، أقله في المستقبل المنظور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك