بعد 18 عاماً، أو 6573 يوماً، تحرّرتُ من السجون الإسرائيلية.
بعد أيام، دخلتُ محلّا تجارياً فلم أعرف كيف أشتري حاجياتي.
وقفت أمام الرفوف كأنّني وصلتُ إلى عالم جديد؛ علامات تجارية لم أعرفها، وسائل دفع لم أستخدمها، شاشات تومض أمامي وتطلب قرارات سريعة، الجميع من حولي يتحرّكون بكلّ ثقة، ينظرون إلى الرفوف يتناولون ما يريدون، ينظرون إلى شاشات هواتف ذكية لم تكن موجودة عند دخولي السجن.
شعرتُ بدوار شديد، قلق، خوف وتوتّر، حدّثتُ نفسي بالخروج والهروب من هذا المكان.
أخذت نفساً عميقاً، حاولت لملمة ذاتي وخرجت من المتجر.
تعاقب سنين الأَسر كان واضحاً من خلال الشاشات الجديدة أو في البضائع التي ملأت المتاجر أو في العلامات التجارية التي لم أتعرّف إليها، كانت أكثر حضوراً، وأكثر قسوة، في الوجوه التي انتظرتني.
عندما عانقت أمي وأبي شعرتُ بأنني أقرأ الزمن على ملامحهما، تجاعيد لم أكن شاهداً على بدايتها، وشيباً لم أره وهو يتسلّل عاماً بعد عام، وتعباً تراكم في غيابي بينما كنتُ هناك، كنتُ في الزمن الموازي لزمانهم.
في تلك اللحظة، أدركت أنني أقف أمام حياة كاملة حدثتْ من دوني، لحظات حزن لم أكن موجوداً فيها، وأفراح مرّت من دون أن أشاركهم ابتسامتها، وأيام مرض لم أستطع أن أجلس بقربهما خلالها، وليالي قلقٍ لم أكن فيها الصوت الذي يطمئن.
من رحم تجربة الأَسر وجدت أن علي تخفيف معاناة الآخرين، مساعدتهم على التعامل مع الصعوبات والتحدّيات النفسية.
كان العناق طويلاً، لكنّه كشف لي فجوةً أعمق من المسافة.
هناك فهمت أمراً قاسياً لا يمكن التهرّب منه: السجن لا يُجمِّد زمن الأسير فقط، بل يترك حياة أحبّته تمضي، تكبر، تتغيّر، وتتعب بعيداً عنه، فيما يعود هو محمّلاً بسنوات لم يعشها معهم، محاولاً أن يتعرّف إلى آثارها في وجوههم كما لو أنه يراها للمرّة الأولى.
في الأَسر، يتغيّر معنى الزمن، الأيام تتشابه، الإيقاع يصبح بطيئاً ثقيلاً.
في الأَسر، الزمن هو زمن الإجراءات والقوانين داخل الأسوار، يوم يبدأ بعدد صباحي مع صراخ السجّانين وطرق الأبواب، وينتهي مع عدد آخر مع الصراخ نفسه والطرائق ذاتها.
وبين هذا وذاك، تبني يوماً ككل يوم من أيام الأَسر الروتينية، يوماً لا تختار به ما تحبّ وما تكره.
لا عمل تخرج له صباحاً، لا عائلة وأطفال تكبر معهم ويكبرون معك.
توقّف الزمن الذي اقتُلعتُ منه 18 عاماً؛ يوماً بعد يوم وعاماً يخلف أعواماً، لأصل إلى حالةٍ فقدت معها الإحساس والشعور بالزمن الحقيقي والمكان الذي وُلدتُ ونشأتُ فيه، عالمي داخل الأسوار والأسرى الرفاق داخل السجن.
عالمي كان أحلامي وطموحاتي التي كانت تتحايل وتتجاوز الجدران كلّها.
في الأَسر، يتغيّر معنى الزمن، الأيام تتشابه، الإيقاع يصبح بطيئاً ثقيلاً.
في الأَسر، الزمن هو زمن الإجراءات والقوانين داخل الأسوار.
في السجن، لا يمكن أن تختار متى تريد أن تتكلّم ومتى تفضّل الصمت، لا يمكن أن تختار الأكل أو اللباس الذي تحب.
مع مرور السنين يمكن أن ينسى الإنسان أنه كان يملك رغبات، أن له ذوقاً، وقدرةً على التفضيل، الحياة تصبح سلسلةَ تعليمات، لا مساحةَ فيها للقرار الشخصي، وحين يُسلب حقّ الاختيار مدّةً طويلةً، فإنّ استعادته تصبح مهمّةً مؤلمةً بقدر ما هي ضرورية، فالسجن يحاول نزع قدرتك على اتخاذ القرار، القرار يجب أن يسلب الحقّ في الاختيار، التحدّي أن تناضل للحفاظ على فكرة اتخاذ القرار وحقّ تقرير المصير.
رؤية السماء من دون حواجز حلم، أن تأكل من طعام أمّك حلم، أن تختار لون قميصك يُعتبر حلماً وترفاً، الشعور بالأمان والاستقرار حلم، إنها حياة بزمن موازٍ لزمن كوكب الأرض، كلّ سجين يحمل سلّة أحلامه لتكبر يوماً بعد يوم، كلّما كانت سنوات السجن أطول كانت سلّة أحلام أكبر، وكلّما كانت سلّتك أكبر ابتعدتَ أكثر عن زمن الأرض واقتربتَ أكثر من الزمن الموازي.
يحاول السجّان إعادة موضعة أحلام الإنسان، يحاول هندسة أفكاره ونفسيته محاولاً خلق كائن طيّع مطيع ملتزم لا يفكّر بأكثر من حاجاته الأساسية للبقاء، والسجين الفلسطيني يضع الجهد لصقل نفسه ونفسيته للتعامل مع تحدّيات تذويب وصهر الذات الإنسانية، تبقى شعلة الأمل من خلال سلّة أحلامه.
وسط هذه القيود كلّها ومحاولات سلب الإرادة، تمكّنتُ من الحصول على الماجستير في العلاقات الدولية في الجامعة الإسرائيلية المفتوحة عن بعد.
التعلّم كان أحد الإنجازات التي حقّقها الأسرى من خلال الإضراب عن الطعام (وقد أُعيد منع التعليم في الجامعة الإسرائيلية المفتوحة عام 2009).
وتمكنّت من إنهاء الدراسة قبل هذا المنع.
كما تجدر الإشارة إلى أن كثيراً من الإنجازات وتحسين ظروف حياتنا داخل الأَسر كان نتيجة لنضالات الأسرى مثل الإضراب عن الطعام.
خلال سنوات أسري شاركت في ثلاثة إضرابات عن الطعام وصلتْ إلى 30 يوماً إضراباً متواصلاً في أحدها.
قبل اعتقالي من الإسرائيليين، حصلت على بكالوريوس في جامعة بيت لحم تخصّص خدمة اجتماعية وعلم نفس، وبدأت العمل في مجال الصحّة النفسية مع الأطفال حتى الاعتقال (في 8/8/2001).
كنت أؤمن أن الإصغاء يمكن أن يمنح الإنسان مساحةً للتنفّس والشعور بالأمان، ليمارس إرادته بالقول.
كنت أبني مستقبلي خطوة بخطوة، مستقبل مدينة لا تعرف الاستقرار والأمن، لم تترك وأهلها بسلام وأمان، مدينة وشعب استخدموا الأدوات لسلبه إرادته والقدرة على أن يقرّر مصيره.
طوال سنين الأَسر، رافقني السؤال: عند خروجي من الأَسر يوماً ما، كيف لي أن أعود إلى الحياة؟ وعندما تحرّرت من الأَسر عام 2019 لم يكن لدي جواب لهذا السؤال.
كان هناك خوف من المجهول، شعرت وكأنّني طفل يولد من جديد، أبسط الأمور كان علي أن أتعلمها من جديد، كيف أتعامل مع الناس، التعرّف إلى الأهل والأصدقاء من جديد، البحث عن ذاتي في مدينة مرّت بتقلّبات عديدة.
أستيقظ فجراً لأرى الشروق من دون حواجز وأسلاك، أتأمل الأطفال في الشوارع يحملون حقائبهم متجهين إلى مدارسهم.
على مدار أعوام الأَسر لم أرَ طفلاً، كلّما أرى طفلاً، أتأمّله، أشعر بإنسانيتي التي حاولوا سلبها مني.
الفقدان، الصدمة، الحرمان، الألم، المعاناة، الإحباط، كلّها مرادفات للأَسر، من رحم هذه التجربة وجدت نفسي في مكان عليَّ أن أحاول تخفيف معاناة الآخرين، مساعدتهم على التعامل مع الصعوبات والتحدّيات النفسية.
قرّرت أن أعود إلى العمل في مجال الصحّة النفسية، عملت في مؤسّسة للصحّة النفسية بالقدس، ثم تابعت تعليمي وحصلت على الماجستير في الخدمة الاجتماعية العيادية من الجامعة العبرية.
ومن ثم التخصّص بعلاج اضطرابات ما بعد الصدمة على خلفية الاعتداءات الجنسية.
الحرية ليست لحظة عبور، بل رحلة طويلة نحو استعادة الذات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك