لا حاجة لأمثلة تبرهن أنّ البشر يُخرجون أسوأ ما فيهم خلال الحروب والأوبئة والكوارث الطبيعية.
وكأنّه كان في الأمس ما أظهره لنا" زمن كوفيد" من دهس جماعي، دهس الجميع للجميع، في سبيل النجاة الفردية.
وصلت وصفات" أنا ومن بعدي الطوفان" إلى أفراد العائلة الواحدة، وارتقت على سلّم التوحش إلى مستوى الدول.
ينطبق ما فعلناه وشاهدناه في موجة كورونا على ما يحصل في الحروب والزلازل والمجاعات من استعراض أكثر غرائز البقاء بدائيةً أمام خطر الموت.
وغريزة البقاء الفردية لا ترتبط، على الأرجح، بالرأسمالية وبأخلاقها، وبما أن الغريزة، تعريفاً، وحشية سابقة على الرأسمالية وعلى أي فكرة وأيديولوجيا ودين.
وما ارتكبته دولٌ خلال" كورونا" كشراء الدنمارك عدد لقاحات يوازي أضعاف عدد سكان البلد الأوروبي الصغير، لم يكن رأسمالية ولا إمبريالية، بل انعكاس للوحشية الفردية على مستوى الدول القوية والثرية، وإلّا وجب الاحتفاء بأخلاق الرأسمالية في كل مرّة كانت دولة كبرى ورأسمالية جداً توزّع ملايين اللقاحات على بلدان فقيرة.
أمّا الإمبريالية آنذاك، فقد أمكن رصدها في تقسيم اللقاحات طبقات وطوابق، أرقاها فايزر للفئة العالمية المحظية، وأدناها الطعم الصيني للعوالم الثالثة وما بينهما أسترازينيكا وموديرنا.
ولطالما كان مصطلح الأخلاق الرأسمالية مادّة تحتمل أخذاً وردّاً، وقد ساهم في سجاليّتها ماكس فيبر عبر تأصيله نظرية الأخلاق البروتستانتية وعلاقتها بالرأسمالية.
ولكنّ بشر عصرنا طوّروا صنفاً خطيراً من الأخلاق أو بالأحرى اللاأخلاق من غير المعروف حقيقة علاقته بالرأسمالية، بما أنّ فكرة الربح سابقة أيضاً على الرأسمالية، وإن كانت الأخيرة طوّرته بقفزات هائلة فربطته بالقيمة المضافة التي يمكنها مضاعفة المكاسب بنسب قياسية.
والصنف الخطير المقصود في هذه العجالة يرتبط بنظرية" المستثمر ــ المواطن"، الفرد الذي لا يحتاج شركة ولا شهادة ولا رخصة ولا معارف دقيقة لكي يصبح مستثمراً كونياً في ثروات معدنية أو نقدية أو افتراضية، ذهباً وفضّة وعملات إلكترونية وسندات وأسهماً.
وماسِك الهاتف الخليوي الذي قرّر اقتحام روح العصر فاشترى حديثاً أو منذ سنوات ذهباً، طوّر، من دون قصد ربما، أخلاقاً خطيرة قلما ينتبه إلى ضررها عندما يسعد لدى قراءة خبر فرض دونالد ترامب رسوماً جمركية على بلدان الكوكب، أو انخفاض قيمة الدولار لأنّ سعر الذهب سيرتفع تلقائياً، من دون التفكير بأنّ رسوم ترامب وانخفاض قيمة الدولار يضربان القدرة الشرائية لملايين البشر من محدودي الدخل، أي أنّ بؤس هؤلاء سيكون سبب سعادة تاجر الذهب المستجدّ.
وانفلات الاستثمار من أي قيدٍ عبر إتاحته للأفراد بهذا الشكل مظهر من مظاهر انتقال الرأسمالية إلى طورٍ ربما لا تعود معه رأسماليةً، لأنها، وإن وُلدت من رحم نظرية آدم سميث" دعه يعمل، دعه يمرّ"، فإنها لا تبقى رأسمالية إن انفلتت من يد المؤسّسات، شركات ودولاً، لمصلحة الأثرياء ــ الأفراد، أكان اسمهم أول تريليونير في التاريخ، وهو شعبوي يميني متطرّف بوزن إيلون ماسك، أم المليارديرات سام ألتمان أو جيف بيزوس أو مارك زوكربيرغ أو بيل غيتس وغيرهم.
وكانت العولمة، التي ندين لها بإنجازات عظيمة، سبّاقة في انتزاع أعمال ومهن من أيدي مؤسّسات لتوزّعها على أفراد فتقضي عليها.
والصحافة" التقليدية" الآخذة في الاندثار، أكانت مرئية أم مسموعة أم مكتوبة، تلقت ضربة قاضية منذ عقد ونصف العقد مع ثورة وسائل التواصل الاجتماعي عندما ظهر مصطلح مضلِّل بحجم" الصحافي المواطن".
صحافي مواطن أشاع الخبر الكاذب والشائعة والنميمة والكراهية والتطرّف والتحريض وكل ما هو أصفر وفاضح مكان الصحافة المهنية والهادئة، وهذه أيضاً جريمة لا تتحمّل مسؤوليتها الرأسمالية، بل أخلاق البشر التي ربما كان توماس هوبز محقاً في عدم الاستهانة بمستوى أنانيّتها وذئبيّتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك