لم أشاهد ولو لقطة عابرة من مسلسل" صحاب الأرض"، الذي يُعرض منذ بداية شهر رمضان، وهو إنتاج مصري.
ورغم إشادات كثيرة سمعتها عن المسلسل، بدءاً من واقعية السيناريو، ومروراً بالممثّلين، وليس انتهاءً أيضاً باختيار وتصميم الديكورات الموحية بأن الأماكن في قطاع غزّة فعلاً، فإن تهرّبي من مشاهدة أي لقطة من هذا المسلسل، الذي يتناول بعض جوانب المحرقة المستمرّة منذ أكثر من عامَين، رغم الدعاية المضللة بأن الحرب قد توقّفت، يعود إلى عدّة أسباب.
أولها أنّني كنت سأختار اسماً أكثر دقّة، مثل أن يكون المسلسل بعنوان" وجع أصحاب الأرض".
فلا أحد يمكنه أن يشعر بوجع أهل غزّة سواهم.
وقد عشتُ فعلياً نحو سبعة أشهر من الحرب الطاحنة في أنحاء متفرّقة من القطاع، وكانت كلّ لحظة موتاً وحياة؛ لأنني رأيت مع عائلتي أسباب الموت كلّها، ولم تكن الحياة تمرّ إلا كأنّها جَمل سيلج في سَمِّ خياط.
وفي كل مرّة كان الموت يمرّ بنا وحولنا، كنا نعتقد أنها النهاية، ولكن النهاية لم تأتِ، وجاء معها ألف عذاب ووجع، بدأ حين فقدنا البيت وصرنا في مهبّ الريح بلا متاع، لا نحمل سوى خوفنا وحيرتنا، ولا نرى سوى الناس أمثالنا الذين يحملون أطفالهم بين أيديهم ويهرعون إلى المستشفيات، فيما الدماء تسيل والجروح تنزف.
أمّا الأشلاء فقد رأيناها كما يرى أي إنسان النجوم المطرّزة في سقف السماء في ليلة صيف صافية.
وكان أول عهدي بالأشلاء الآدمية حين تعثّرت بها بعد قصف بيتنا، فرأيت جثث الأطفال تطير من الشرفات، وتمرّ من أمام عيني، وترتطم الدماء الطازجة بوجهي، ثم تستقرّ الجثث على الأرض أشلاء متناثرة.
وكلّما أمعنت في الجري مع أولادي، كنت أتعثّر بكفّ طفل أو ساقٍ لشاب، ولكنّني، ولهول الفاجعة، كنت أمضي ولا أتوقّف؛ لأني أعرف أنني قد أكون الجثّة التالية.
إذا كان صنّاع المسلسل، وعلى لسان كاتب السيناريو، قد اهتموا بالجانب الإنساني وتحويل الأرقام إلى أحداث واقعية، فهم قد أصابوا.
ورغم أن الآلة الإعلامية لم تتوقّف لحظة واحدة عن نقل أحداث الحرب، وإلقاء الضوء على حال الناس البسطاء الذين يحاولون إنقاذ أطفالهم ومتاعهم، والذين يفرّون طيلة الوقت من مكان إلى مكان، ونقلت صوتهم وصراخهم، إلا أن ما قد يدفعك (وأنت بعيد) لكي تتابع أحداث هذا المسلسل الذي تسلّل من قناة إخبارية، ليصبح دراما تلفزيونية، أنك ستفهم معنى أن يتحوّل الرقم إلى روح؛ لأن الأخبار سوف تنقل لك إحصائية عن عدد الأطفال القتلى منذ بداية الحرب، وإحصائية عن عدد مبتوري الأطراف، ولكنّها لن تتحدّث عن حلم كل طفل مات قبل أن يكتمل حلمه، ولا عن أحلام الأطفال الذين تحوّلوا عاجزين، والذين سترافقهم العكاكيز والأطراف الصناعية فيما تبقّى من حياتهم.
فالغوص في تفصيلة حياة طفل ومحاولة إنقاذه هي علامة نجاح ونقطة قوة يمكن أن تُحسب لمن يحاول إعادة توصيف الكارثة، مع التأكيد مرّة ثانية أن من عاش الكارثة الحقيقية لا يتمنّى أن يراها ثانية في الشاشة أبداً.
ما يبهج النفس قليلاً، وهي تسترجع أحداث مأساة مستمرّة عاشت الفصول الأصعب منها، وحيث كانت نار الانتقام تستعر في صدور قادة الاحتلال الذين أقسموا أن يحولوا غزّة إلى كومة من الركام، أن مثل هذا المسلسل قد جاء وسط الحرب الفكرية التي تُشنّ على القضية الفلسطينية بشكل عام، ولذلك فهو إضافة جيّدة لصالح الملفّ الإعلامي للقضية، كما أن توقيت عرضه جاء مناسباً وسط التفاهات التي تنضح من الدراما العربية في كل موسم رمضاني، رغم أن هناك فرقاً كبيراً بين وجع الحقيقة واللحظة الأليمة، وبين تمثيل الوجع؛ لأن وجع أصحاب الأرض لا يزال مستمرّاً، وما أكثر الملح الذي يذّر فوقه، ولا يتألم سوى صاحبه، وقد طال انتظار وصول الدواء وعجزت الطبابة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك