رغم حالة الشدّ والجذب في وضع معتقلي الرأي والسجناء السياسيين في مصر، وحدوث بعض الإفراجات بموجب العفو الرئاسي أو أيّ سندٍ قانوني آخر، لا يزال لمصر سجلّ حافل في استمرار تكدّس أعداد السجناء والمعتقلين السياسيين، وفي أعداد المحاكمات ذات الطابع السياسي.
ويبقى وضع معتقلي الإخوان المسلمين وقيادات التيار الإسلامي الأصعب حلّاً وتنبّؤاً بمساراته.
وعودة الأعمال الدرامية الرمضانية في مصر، المدعومة من أجهزة سيادية، التي تجسّد بشكل مثير للجدل أدوار قياديّين في الإخوان المسلمين في السجون حالياً، ما هي إلا أدواتٌ دعائيةٌ لتضليل الرأي العام ونشر معلومات مغلوطة، لا تهدف سوى إلى التغطية على استمرار الأوضاع البائسة للسجناء السياسيين، ولتبرير إجراءات أكثر حدّة بحقّهم وتجاه أَسرهم.
لقد قضى كثير من قيادات التيار الإسلامي وأنصاره سنين طويلة في السجون المصرية بالفعل، وكثير منهم مدان أو على ذمّة قضايا عديدة واتهامات متداخلة يصعب حصرها من دون احترام ضمانات المحاكمة العادلة.
وبعض هؤلاء السجناء يعانون أوضاعاً صحّيةً وإنسانيةً غايةً في السوء.
فمثلاً، تتردّد أنباء من حين لآخر عن الظروف الصحّية الخطيرة التي يعانيها الأكاديمي صلاح سلطان (والد الناشط المصري الأميركي محمّد سلطان)، ما يعرّضه لخطر الموت المفاجئ في أثناء احتجازه في سجن بدر.
والحالة الصعبة نفسها يعانيها عبد المنعم أبو الفتوح (المرشّح الرئاسي السابق)، إذ يعاني من أزمات قلبية متكرّرة وجلطات وانزلاق غضروفي حادّ يمنعه من الحركة، وقد خضع لحبس انفرادي سنين طويلة.
ازداد التعامل مع ملفّ المعتقلين الإسلاميين في مصر تعقيداً بعد قرار إدارة ترامب تصنيف فروع الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان منظّمات إرهابية.
وفي الواقع، ازداد التعامل مع ملفّ المعتقلين الإسلاميين في مصر تعقيداً بعد قرار إدارة ترامب الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني) تصنيف فروع الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان منظّمات إرهابية.
هذا القرار، وبحسب مراقبين كثيرين، جاء بفعل نشاط مجموعات ضغط في واشنطن، تحرّكه حكومات عربية خلال سنوات حكم ترامب، في مقدمتها الإمارات ومصر.
وسجلُّ مثل هذه المجموعات معروف، ووثَّقته سابقاً الصحافة الأميركية، ثم أصبح مثار اهتمام واسع بعد فضيحة رئيس لجنة العلاقات الخارجية السابق في مجلس الشيوخ، روبرت مينينديز، الذي أدين وزوجته في اتهامات بالفساد وقبول رشىً من دوائر قريبة من الحكومة المصرية لحماية مصالحها، خصوصاً المساعدات العسكرية التي تتلقاها مصر سنوياً من الولايات المتحدة.
ومن أخطر ما يتم تداوله أن القرار الأميركي بشأن الإخوان المسلمين أخيراً قد يُشجّع دولاً أوروبية أخرى على اتخاذ خطوة مشابهة، مثل فرنسا وهولندا والمملكة المتحدة.
والمفارقة الكبيرة أنه في وقتٍ اعترف فيه الغرب بحكومةٍ سوريةٍ بقيادة أحمد الشرع، المعروف بانتمائه سابقاً إلى تنظيمات جهادية، وُضعتْ جماعة الإخوان المسلمين تحت ضغط تصنيفها جماعة إرهابية، ما يدلّ على الطابع السياسي غير المنضبط قانوناً لمثل هذه التصنيفات دولياً.
يختلف كاتب هذه السطور جذرياً مع أيديولوجية الإسلام السياسي التي تتبنّاها جماعة الإخوان المسلمين، ومع مواقفها من حقوق الإنسان، خصوصاً حقوق المرأة وحقوق الأقليات وحرية العقيدة، وحرية الرأي والتعبير، لكن وصم الجماعة تنظيماً بجريمة الإرهاب الدولي أمر يصعب إثباته أو تبريره، بل إنه سياسياً خطأ جسيم، خصوصاً أنه صادر من دولة بحجم الولايات المتحدة ونفوذها.
يمثّل هذا التصنيف (لا محالة) مسماراً في نعش أيّ مصالحة سياسية شاملة في مصر بين فصيل سياسي كبير لا تزال له قواعده داخل البلاد وخارجها، وباقي القوى السياسية والدولة المصرية، فالتقدّم صوب الديمقراطية في مصر يصعب تصوّره مع استمرار حالة المحاربة السياسية بين" الإخوان" والسلطة.
قد يشجّع التصنيف الأميركي لـ" الإخوان" جماعة إرهابية دولاً أوروبية على اتخاذ الخطوة ذاتها.
كما أن هذا التصنيف يقضي على احتمالات تحوّلات فكرية وسياسية داخل الجماعة، ويضغط على قواعدها، خصوصاً من الشباب، لدفعهم نحو فقدان الثقة في الديمقراطية والتغيير السلمي، سيّما أن عوائد المشاركة السياسية بالنسبة إليهم لم تجلب سوى القمع المروّع للتنظيم وقياداته.
وستمتدّ آثار القيود والقمع المتوقّع جرّاء هذا التصنيف إلى سائر السياسيين والنشطاء الحقوقيين الذين قد يتعاملون بالضرورة مع أعضاء من الجماعة وأسرهم، داخل مصر وخارجها، سواء لاعتبارات إنسانية، أو لتنسيق مواقف تتعلّق بالدفاع عن المعتقلين، أو لبحث فرص التوافق والمصالحة لبناء تيار سياسي ومدني عريض، خصوصاً في السنوات القليلة التي تسبق الانتخابات الرئاسية في عام 2030، وفي ظلّ ما يتردّد في الإعلام المصري، منذ انتهاء الانتخابات التشريعية أخيراً، من انتقادات للدستور الحالي الصادر عام 2014، والمطالبة بتعديله جذرياً.
وأحد هذه التعديلات الدستورية المتوقّعة هو إلغاء المادة المُقيِّدة لمدد تولّي رئيس الجمهورية منصب الرئاسة، تمهيداً لترشّحه مرّةً أخرى عام 2030.
وليس من المصادفة أن الرئيس المصري أجرى في السنوات الماضية تعديلات دورية على الذين يتناوبون على منصب وزير الدفاع، نظراً إلى حساسية المنصب، تجنّباً لتراكم السلطة أو الشعبية لدى وجه عسكري جديد قد يمثّل تهديداً له حتى موعد الانتخابات الرئاسية.
سيظلّ ملفّ معتقلي الإسلاميين في مصر اختباراً حقيقياً لمستقبل السياسة في البلاد، ولمدى استعداد الدولة لفتح أفق مختلف عن الإقصاء والاستئصال.
وهو ملفّ لن يُحسم إلا بتصوّر بدائل أكثر انفتاحاً للمجال السياسي الحالي في البلاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك