“لا الملك غازي ولا نوري السعيد ولا الزعيم قاسم.
حتى صدام لم يتخيل حدوداً بحرية للعراق بهذه المساحة”.
يظهر العراق اليوم أمام الكويت بسقف طموح أعلى من السابق، لكن هذه المرة بتشجيع دولي، وأفكار منسجمة مع العالم، بما يثير ارتباك العاصمة الخليجية التي تدربت على التعامل مع “حماقات” جارها الشمالي، لكن ليس على دخوله ضمن مسار العولمة المجنون في رأس البيشة.
فالخلاف هذه المرة ليس بين صدام حسين والأمير جابر الأحمد، بل بين ميناء الفاو الذي تحول إلى “حقيقة دولية على خارطة التجارة”، وجناح في الكويت يكاد لا يصدق ولادة هذا الحلف التركي الإماراتي القطري العراقي حول طريق الحرير الجديد الصاعد على كتف الفرات، والمسنود بشكل متعاظم من الطموح الألماني العثماني القديم وتوجهات الاتحاد الأوروبي المهتمة بالمشروع العراقي.
وبعد، فإن الأمر يبدو أكبر بكثير من تجارة التوابل والخيول بين الهند وأوروبا كما كانت أيام “التجارة البريئة”، بل بث الحياة في الساحل العراقي الضيق الذي يوصف بأنه “أهم 60 كم على امتداد الخليج”.
درابيل الكويت تراقب “مس جيراردين” على ساحل الفاو.
تضبط أوروبا موانئ العراق على معايير الملاحة الدولية وتصدر شهادات ثقة بحق المشروع الجديد، من أجل هذا سافرت السيدة جيراردين ديلانوي من بلجيكا إلى البصرة، ممثلةً عن منظمة الملاحة الدولية “إيالا” وأبحرت قبل أسبوعين بسفينة عراقية عبر مياه خور عبد الله ومقترباته، على الخارطة نفسها التي أرسلها العراق بعد أيام إلى الأمم المتحدة، وشهدت المنظمة بأن البنية التحتية للميناء الجديد صارت متوافقة مع الضوابط الدولية لسلامة السفن والملاحين.
تحتفل البصرة بخمسة أرصفة هي الأكبر تاريخياً على الساحل العراقي، ونفق مغمور يمر تحت البحر عند خور الزبير، حيث تبدأ الشركة الإيطالية مع التحالف الذي تقوده تركيا برسم خرائط سكة الحديد الجديدة الرابطة بين رأس البيشة والبحر المتوسط.
ابن الأمير جابر يواجه محنة أبيه.
يفسر هذا التقدم السريع والجاد عبارة تقول “حتى صدام لم يفكر بهذه الحدود البحرية”، إذ تصدرت وسائل إعلام الكويت اليوم تعليقاً على الخارطة التي أودعها العراق لدى الأمم المتحدة، حول مياهه الإقليمية في الخليج، فبعد أن توالت ردود فعل معترضة على بغداد من كل دول مجلس التعاون بما فيها سلطنة عمان، مضافة إليها مصر والأردن وحتى فلسطين، شهد نهار الثلاثاء اجتماعاً للحكومة الكويتية تحدث فيه وزير الخارجية الجديد، الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، عن تطورات الخلاف الجديد الذي تأجج حول خور عبد الله ومقترباته.
ويحمل اسم الوزير الكويتي دلالة تاريخية حيث أنه ابن الأمير الراحل جابر الأحمد الذي جمعته بصدام حسين لحظات المحنة الكبرى والتطاحن خلال الحرب الإيرانية العراقية، وتعرضه لمحاولة اغتيال شهيرة، وإتاحته جزيرة بوبيان للجيش العراقي مع دعم منقطع النظير، وقد أنشأ الجنود العراقيون حينها تحصيناتهم الدفاعية على أرض بوبيان قبالة الفاو المحتلة آنذاك حتى تحريرها وعودة أرضها وبحرها للعراق، وهو ما تستند إليه بغداد اليوم في إثبات ملكيتها للمياه.
ثم انتهى كل ذلك الود بالاجتياح عام 1990.
“كلما اختنقت بغداد نزلت إلى مياه الخليج”.
تردد وسائل الإعلام الكويتية أن الحكومة هناك “تتفهم” إثارة الموضوع الآن “فبغداد كلما مرت بأزمة سياسية داخلية، حاولت تصدير الأزمة وخياراتها التقليدية صعود الجبل الكردي أو الخوض في مياه الخليج” حسب تعبيرهم، كما نقل الإعلام المحلي في الكويت عن إحاطة وزير الخارجية جراح الأحمد، قوله “إن خارطة البحر التي أرسلها العراق إلى الأمم المتحدة قبل أيام، تمددت كثيراً ووصلت إلى نقاط لم يناقشها العراق تاريخياً مع الكويت” مع التشديد على “جزر” صغيرة مثل “فشت القيد وفشت العيج” التي قال العراق إنها جزر صناعية وليست طبيعية، وقد بُنيت بطريقة الطمر بغرض توسيع مدى الساحل الكويتي على حساب العراق.
يغدو مسار طريق التنمية جزءاً رئيسياً من خطة “الضبط الدائم” لقواعد الاشتباك بين الغرب وروسيا بعد النهاية المحتملة للحرب الأوكرانية، ومسار تغذية أوروبا من طاقة الشرق الأوسط بما ينهي احتكار أنبوب “نورد ستريم” الروسي.
يتخيل صناع قرار كثر.
شبكة أنابيب تبدأ من مياه الخليج وتجمع الغاز والبترول وتمر من نفق البصرة المغمور عبر تركيا لتدفئة شتاء القارة العجوز، وتحريرها من صنبور الغاز الروسي.
من أجل ذلك.
يظهر جناح كويتي ردود فعل أكثر هدوءاً، ينظر إلى خارطة الطاقة المستقبلية عبر العراق، ويدرك أن الكويت ليس بإمكانها البقاء وحيدة تنادي بأرض مختلف على وجودها من الأساس اسمها “فشت العيج وفشت الكيد” بينما تنخرط قطر والإمارات والسعودية نهاراً في مسار عالمي يمد أوروبا بالطاقة عبر العراق، وتصدر ليلاً بيانات من مجلس التعاون تدعو لحماية فشت العيج من كواسر الفاو الكبير!
يتذكر الخبراء أجواء السبعينات، بعد القرار العربي بوقف تصدير النفط عام 1973، إذ لم تعد عقارب ساعة الغرب إلى الخلف، وصار تأمين احتياط الطاقة الهدف رقم 1، ولذا فإن الدعم الأميركي الأوروبي لطريق التنمية العراقي لا يبدو متعلقاً بشاحنات البضائع، بل بتصريح مرّ بهدوء لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، حين طلب في أيار 2024 تجهيز “طريق التنمية لنقل الطاقة”.
أردوغان وبراك يضعان سوريا في مدار الفاو.
حين تحالفت بريطانيا وفرنسا لإنشاء قناة السويس عبر مصر، نزل الخبر صاعقةً على قصر السلطان العثماني وعرش القيصر الألماني، وحينها ولدت فكرة الطريق البديل، وكان البر الأقصر داخل المملكة العثمانية من البصرة حتى فلسطين مهيئاً لنزول القاطرات الألمانية الأضخم في العالم حينها.
أما اليوم فإن طريق التنمية لم يعد فكرة مناكفة بين ملوك بحار الشرق الأوسط، أو حرب مشاريع بين مستعمرين أوروبيين متنازعين على الشرق، بل صار استجابة للتسارع الجنوبي في مسارات العولمة التجارية، حتى أن نادي طريق التنمية اليوم، يضم أعضاء متناقضين أحياناً في السياسة والايديولوجيا، لكنهم يشتركون في متطلبات السوق الملحة التي صارت فوق الأفكار والأحزاب، فحماس الصين لطريق التنمية لا يقل عن اندفاع مبعوث دونالد ترامب الذي يأخذ بيد أحمد الشرع وأردوغان وأصدقاءه الأوروبيين ويضعهم جميعاً بتناقضاتهم في مدار الفاو الكبير، بينما الكويت تراقب ذلك بألم وتستعرض صوراً جوية لميناء مبارك المهجور الذي لا يكاد يتحدث عنه أحد حتى الكويتيين.
“أربيل وتفكيك العقد الأخطر من فشت العيج”.
وقبل سقوط نظام الأسد، كان الطريق وعراً وضيقاً وبلا بديل عند منفذ إبراهيم الخليل في دهوك، بسبب ازدحام الرايات على الجانب السوري، أما اليوم، فإن البنادق تفسح مجالاً لقوافل التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، بعد اتفاق 18 كانون الثاني 2026 الذي رعته أربيل، العاصمة الكردية التي صارت ملتقى التفاهمات ومجلس مصالحات بين دمشق وأنقرة وجزيرة إمرالي والحسكة، في نموذج لممكنات تحويل النزاع إلى تعاون يطلبه العالم كله، ونجح في مسائل أصعب بكثير من أزمة اسمها “فشت العيج”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك