روسيا اليوم - زيادة الوزن و"وجه القمر".. مؤشرات على اضطراب خطير في هرمون الكورتيزول العربية نت - في خطاب حالة الاتحاد.. ترامب يشيد بإنجازاته الاقتصادية الجزيرة نت - خلافا لأسلافه.. ترمب يتجه لحرب مصيرية مع إيران دون مبررات وكالة سبوتنيك - تحطم طائرة "إف-16" تركية بعد إقلاعها. روسيا اليوم - إخراج نائب ديمقراطي أثناء خطاب ترامب حمل لافتة "السود ليسوا قرودا"! العربية نت - أسعار النفط تحوم قرب أعلى مستوياتها في 7 أشهر قبل محادثات أميركا وإيران روسيا اليوم - وسائل إعلام كورية شمالية: كيم جونغ أون "أعظم رجل في العالم" وقيادته بمثابة "معجزة" فرانس 24 - البنتاغون: القوات الأمريكية تعترض ثالث ناقلة نفط في المحيط الهندي روسيا اليوم - "التلغراف": "تحالف الراغبين" يقر بالحاجة إلى موافقة روسيا لنشر قوات في أوكرانيا العربي الجديد - تحطم مقاتلة تركية من طراز إف 16 ومقتل طيارها
عامة

أولى مراحل الديمقراطية ومؤشر نجاحها.. أين تقف النقابات في سوريا الجديدة؟

تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا منذ ساعتين

لم تكن النقابات والاتحادات في سوريا يوماً تفصيلاً هامشياً في الحياة العامة، بل شكّلت، تاريخياً، أحد أبرز أشكال التنظيم المجتمعي والسياسي، ورافعة أساسية للدفاع عن المصالح المهنية والاقتصادية، ومساحة لل...

ملخص مرصد
تُعتبر النقابات في سوريا مؤشراً مبكراً على نجاح المرحلة الانتقالية، حيث تُطرح تساؤلات حول قدرتها على استعادة دورها التاريخي كقوة اجتماعية مستقلة بعد عقود من التسييس والتدجين تحت نظام الأسد.
  • النقابات شكلت تاريخياً رافعة للدفاع عن المصالح المهنية والاقتصادية
  • بعد سقوط نظام الأسد، تعود النقابات كسؤال مركزي في إعادة بناء المجال العام
  • نجاح النقابات في تمثيل أعضائها بعدالة قد يكون مؤشراً على انفتاح النظام الجديد
من: النقابات والاتحادات المهنية في سوريا أين: سوريا متى: بعد سقوط نظام بشار الأسد

لم تكن النقابات والاتحادات في سوريا يوماً تفصيلاً هامشياً في الحياة العامة، بل شكّلت، تاريخياً، أحد أبرز أشكال التنظيم المجتمعي والسياسي، ورافعة أساسية للدفاع عن المصالح المهنية والاقتصادية، ومساحة للتعبير الجماعي خارج الأطر السلطوية.

فمن النقابات المهنية كالمحامين والأطباء والمهندسين، إلى النقابات العمالية والاتحادات الطلابية، لعبت هذه الأجسام دوراً محورياً في صياغة العلاقة بين المجتمع والدولة، وفي إنتاج نخب قانونية وسياسية وفكرية تركت بصمتها على التاريخ السوري الحديث.

مع سقوط نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد، تعود النقابات إلى الواجهة بوصفها سؤالاً مركزياً في النقاش حول إعادة بناء المجال العام في سوريا؛ إذ لا يمكن الحديث عن ديمقراطية ناشئة أو انتقال سياسي مستدام من دون تنظيمات مستقلة تمثل مصالح أعضائها، وتعمل كوسيط بين المجتمع والسلطة، وتؤسس لثقافة المشاركة والانتخاب والمحاسبة.

في هذا السياق، تصبح النقابات أكثر من مجرد أطر مهنية، بل مؤشراً مبكراً على اتجاه المرحلة الجديدة: هل تتجه نحو إعادة تمكين المجتمع، أم إعادة إنتاج أشكال الضبط القديمة بأدوات مختلفة؟اليوم، وبين إرث طويل من التسييس والتدجين، ومحاولات خجولة أو متعثرة لإعادة التفعيل، تُطرح أسئلة ملحة حول واقع النقابات في سوريا: من يمثلها فعلاً؟ من يمارس العمل النقابي؟ وهل هي قادرة على استعادة دورها التاريخي كقوة اجتماعية مستقلة، أم أنها ستبقى هياكل فارغة في مشهد سياسي يعاد تشكيله بحذر وقلق.

ينطلق هذا التقرير من سؤال مركزي: هل تستطيع النقابات في سوريا اليوم أن تستعيد دورها وتتحول إلى شريك فعلي في بناء المجتمع الجديد؟ أم أن المرحلة الانتقالية ستتجاوزها، أو تعيد توظيفها ضمن منطق السلطة ذاته؟لماذا النقابات في المرحلة الانتقالية؟في المراحل الانتقالية، لا تُقاس التحولات السياسية فقط بتبدل النخب أو تغيير الدساتير، بل بقدرة المجتمع على تنظيم نفسه خارج منطق الوصاية، ومن هنا، تبرز النقابات والاتحادات المهنية كأحد أعمدة أي انتقال ديمقراطي حقيقي، كونها تشكل إحدى المساحات القليلة التي تتيح تعلّم السياسة اليومية عملياً: الانتخاب، والاختلاف، والتمثيل، والمساءلة.

وفي هذه المراحل، تكتسب النقابات أهمية خاصة لأنها تقوم على أساس مهني ومصلحي، لا على أساس أيديولوجي أو سياسي أو هوياتي، ففي بلد خرج من عقود طويلة من الاستقطاب والقمع، تصبح الحاجة ملحة إلى أطر تنظيمية تسمح للناس بالالتقاء والعمل المشترك رغم اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم الثقافية والاجتماعية.

والنقابة، في هذا المعنى، ليست مساحة لتوحيد الآراء أو فرض الاصطفافات، بل إطاراً لإدارة الاختلاف وتنظيمه ضمن قواعد واضحة ومشتركة.

من جانب آخر، تمثل النقابات جسراً مباشراً بين الحياة اليومية للناس ومسارات التحول السياسي الأوسع، فحقوق العمل، والأجور، وشروط المهنة، والتأمين الصحي، والتعليم والتدريب، هي قضايا تمس شرائح واسعة من السوريين، بغض النظر عن مواقفهم السياسية أو خلفياتهم الاجتماعية.

ومن خلال الاشتغال على هذه الملفات الملموسة، يمكن للنقابات أن تستعيد تدريجياً ثقة قواعدها، وأن تسهم في إعادة بناء ثقافة المشاركة والمسؤولية الجماعية، بعيداً عن منطق التعبئة أو الإقصاء.

في سوريا اليوم، تكتسب هذه الأهمية بعداً مضاعفاً، نظراً إلى تدمير المجال العام على مدى عقود، وتجريف أي شكل من أشكال التنظيم المستقل، إذ تحولت النقابات، التي يفترض أن تدافع عن حقوق أعضائها وتشارك في صياغة السياسات العامة المرتبطة بالعمل والتعليم والاقتصاد، في ظل النظام المخلوع، إلى أدوات ضبط وتعبئة، ما أفقدها ثقة قطاعات واسعة من المجتمع.

وفي هذا السياق، لا يُنتظر من النقابات أن تكون بديلاً عن السياسة، بل أن تشكل أحد مساراتها الاجتماعية الهادئة، وأن تلعب دوراً في إعادة وصل ما انقطع بين الدولة والمجتمع، فنجاحها في تمثيل أعضائها بعدالة وشفافية قد يكون من أوضح المؤشرات المبكرة على قدرة المرحلة الانتقالية في سوريا على إنتاج نظام أكثر انفتاحاً وتعدداً.

عرفت سوريا الحالة النقابية قبل تشكل الدولة الوطنية الحديثة بصيغتها النهائية، فمع نشوء المملكة السورية عام 1920، وفي ظل بدايات الانتداب الفرنسي، تأسست نقابة المحامين عام 1921، لتكون أول نقابة مهنية في البلاد، ولعبت دوراً سياسياً وقانونياً بارزاً، مستخدمة أدوات القانون في مواجهة الانتداب، وكان من بين رموزها شخصيات وطنية بارزة، في مقدمتهم فارس الخوري.

تزامن نشوء النقابات الأخرى، ولا سيما العمالية، مع اتساع هامش الحريات عقب الثورة السورية الكبرى، وصعود الكتلة الوطنية، وإجراء أول انتخابات نيابية عام 1932، التي أفرزت محمد علي العابد كأول رئيس للجمهورية السورية.

وفي السياق العالمي، تأثرت الحركة العمالية السورية بصعود التيارات اليسارية والثورة البلشفية، فأُعلن عن تأسيس" اتحاد نقابات عمال دمشق" عام 1934، ثم" الاتحاد العام لنقابات العمال" عام 1938.

كما شهدت الحركة الطلابية حضوراً لافتاً، تجلى في حراك الجامعات بدمشق منذ عام 1928، والتظاهرة الشهيرة عام 1929 احتجاجاً على خفض ميزانية الجامعة، وصولاً إلى عقد أول مؤتمر طلابي في مدينة حماة عام 1932، ثم إضراب الطلاب الشهير لمدة ستين يوماً عام 1936.

مع الاستقلال، صدر أول قانون خاص بالنقابات عام 1948، ما أتاح توسع التنظيم النقابي، ليُوثّق وجود 25 نقابة في سوريا بحلول عام 1955.

شكل وصول حزب" البعث" إلى السلطة نقطة تحول حاسمة في مسار العمل النقابي في سوريا، ففي عام 1967، صدر المرسوم التشريعي رقم 84، الذي قضى بتأميم النقابات، بما في ذلك نقابات العمال والطلاب والمحامين، ووضعها عملياً تحت سيطرة الحزب والدولة.

تعزز هذا المسار مع إقرار دستور عام 1973، ولا سيما المادة الثامنة التي نصت على أن حزب" البعث" هو" القائد للدولة والمجتمع"، ما فتح الباب أمام إخضاع منظمات المجتمع المدني، وفي مقدمتها النقابات، للهيمنة السياسية والأمنية.

هذه المرحلة شهدت تصاعداً في الصدام بين السلطة والحركات النقابية والطلابية، تخللته حملات اعتقال واسعة طالت ناشطين وطلاباً، من بينهم شخصيات حقوقية وقانونية بارزة لاحقاً.

كما برزت احتجاجات عمالية، أبرزها إضراب عمال حقل الرميلان شمال شرقي سوريا عام 1979، والذي استمر أربعة أيام، وشكل إنذاراً جدياً لنظام حافظ الأسد.

نهاية السبعينيات، وفي أعقاب خسارة مرشحي" البعث" ومقربي النظام في انتخابات بعض النقابات المهنية، ولا سيما نقابتي المهندسين والصيادلة، اتخذ حافظ الأسد قراراً حاسماً بإنهاء ما تبقى من استقلال النقابات، وأصدر في 7 من نيسان 1980 صدر مرسوم تشريعي خوّل مجلس الوزراء حل النقابات المهنية، تلاه في 10 من نيسان قرار حكومي بحلها فعلياً وتعيين قيادات جديدة محسوبة على" البعث" والأجهزة الأمنية.

بعد أحداث حماة عام 1982، تحولت النقابات إلى أداة خالصة بيد نظام حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار، وفقدت أي دور تمثيلي حقيقي، لتصبح جزءاً من منظومة الضبط الأمني والسياسي والاجتماعي، وهو واقع رُسِّخَ لاحقاً عبر تشريعات إضافية، منها القانون رقم 1 لعام 1985، الذي يُعرف بـ" القانون الأساسي للعاملين في الدولة".

النقابات كأداة قمع خلال الثورة السورية.

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، ظهر بوضوح الدور الذي آلت إليه النقابات والاتحادات المهنية في ظل نظام الأسد، بعدما كانت قد فقدت استقلالها فعلياً منذ عقود، فبدلاً من أن تشكل مظلة لحماية أعضائها أو مساحة للتعبير عن مطالبهم المهنية والحقوقية، انخرطت معظم هذه الأجسام في خطاب النظام السياسي والأمني، واصطفت إلى جانبه في مواجهة الاحتجاجات الشعبية.

وتجلى ذلك واضحاً في الأشهر الأولى من الثورة السورية عبر بيانات رسمية صادرة عن اتحادات ونقابات مهنية وطلابية تبنت رواية نظام الأسد، ووصفت الاحتجاجات بمصطلحات التخوين والتآمر، أو التزمت الصمت إزاء الانتهاكات الواسعة.

لم يقتصر دور النقابات على ذلك، بل تُرجم عملياً في ممارسات إدارية وأمنية طالت آلاف المهنيين والعاملين، من فصل تعسفي، وإحالة قسرية إلى التقاعد، وحرمان من مزاولة المهنة، إضافة إلى التضييق داخل المؤسسات العامة والخاصة.

وأبعد من المواقف السياسية، لعبت بعض الاتحادات أدواراً مباشرة في القمع، حيث تحول" اتحاد طلبة سوريا" إلى أداة تعبئة أمنية، وشارك بعض أعضائه فعلياً ضمن مجموعات" الشبيحة"، حيث جرى استخدامهم في الاعتداء على المتظاهرين السلميين، وملاحقة المحتجين داخل الحرم الجامعي وخارجه.

ووثقت شهادات وتقارير حقوقية مشاركة هذه النقابات في عمليات قمع ترافقت مع انتهاكات جسيمة، وصل بعضها إلى مستوى الجرائم الجسيمة بحق المدنيين، وهذا الانخراط المسلح شكل ذروة توظيف الاتحادات كجزء من المنظومة القمعية والأمنية لنظام الأسد، وليس مجرد أذرع دعائية أو رديفة.

هذا الإرث جعل من إعادة بناء العمل النقابي بعد سقوط نظام الأسد تحدياً مضاعفاً، لا يقتصر على تغيير القوانين والهياكل، بل يمتد إلى تفكيك دورها القمعي السابق، واستعادة الثقة، وإعادة تعريف النقابة بوصفها أداة تمثيل وحماية، لا ذراعاً من أذرع السلطة.

النقابات اليوم: بداية التعافي بعد إرث ثقيل.

النقابات اليوم في سوريا بعد سقوط نظام الأسد لم تبدأ من فراغ، لكنها لم تبدأ أيضاً من موقعٍ سليم، فالهياكل التنظيمية قائمة منذ عقود، والقوانين الناظمة موجودة، والمجالس والاتحادات لم تُحل بالكامل، لكن السؤال الحقيقي لم يكن عن وجود البنية، بل عن مضمونها.

فكيف يمكن لجسمٍ عاش نصف قرن تحت هيمنة" البعث" والأفرع الأمنية أن يستعيد وظيفته الطبيعية كسلطة مجتمعية مستقلة؟يتفق الشهود على أن النقابات لم تكن مؤسسات معدومة، بل مُفرغة، لذلك لا يدور النقاش اليوم حول التأسيس من الصفر بقدر ما يدور حول إعادة إحياء وظيفة غابت، وتنقية إرث تراكم، واستعادة روح فقدت تحت ضغط الاستبداد.

المحامي والباحث القانوني عارف الشعال يضع الإطار القانوني أولاً، موضحاً أن النقابات تمتلك بالفعل هياكل تنظيمية قائمة، سواء نقابات العمال المنظمة بالمرسوم التشريعي رقم 84 لعام 1968، أو التنظيمات الفلاحية المنظمة بالقانون رقم 21 لعام 1974، أو نقابات المهن العلمية ولكل منها قانونها الخاص.

غير أن هذه الهياكل، وفق المحامي الشعال، أصابها" الجمود" بفعل عقود طويلة من الاستبداد وهيمنة" البعث" وأجهزة الأمن، فلم تعد قادرة على الدفاع عن مصالح أعضائها، ولا الإسهام في الشأن العام، ولا أن تكون ضمانة لتماسك المجتمع.

ويرى الشعال أن العمل النقابي اليوم" في مرحلة تعافٍ من حقبة الاستبداد"، وتنقية من العناصر التي رسّخت النقابات أداة بيد" البعث" والأجهزة الأمنية، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن القيادات الحالية، التي جرى تعيينها بعد التحرير، " لا تمارس دوراً واضحاً في الشأن العام وفي بناء الدولة كما هو مأمول منها، ولا تعمل على إعداد قوانينها ونظمها الجديدة التي تكفل استقلالها".

بدوره، يؤكد المحامي عبد العزيز درويش، والذي شغل سابقاً أمين سر مجلس نقابة المحامين الأحرار في مدينة حلب، أن المرحلة الحالية تتطلب" عملاً كبيراً وجهداً كبيراً أيضاً لبناء الثقة بين أفراد المجتمع، ولإعادة الثقة بمؤسسات الدولة"، بالتوازي مع دعم جاد للجهات النقابية لتأخذ" دورها الفعلي المنوط بها، وهو الدفاع عن حقوق منتسبيها".

أما المحامي والباحث القانوني محمد أحمد الحربلية فيذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن إعادة بناء النقابات يجب أن تكون جزءاً من برنامج العدالة الانتقالية، لأن القوانين النقابية في عهد نظام الأسد" لعبت دوراً في تعزيز سلطة الاستبداد وانتهاك الحق النقابي"، ما يستوجب إصلاحها على أساس مبادئ الحق النقابي كما أقرتها الاتفاقيات الدولية.

كما يشير رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال، فواز الأحمد، إلى أن العمل النقابي لم يكن مستقلاً بالكامل منذ ستينيات القرن الماضي، حين ثُبّت دور الاتحاد كمظلة مركزية ضمن بنية" المنظمات الشعبية"، ما جعل العلاقة مع السلطة علاقة مركزية ممتدة لعقود.

وفي مقابل ذلك، يشير المحامي والباحث القانوني، أحمد قربي، إلى بعد مختلف، حيث يعتبر أن استعادة الدور النقابي لا تنفصل عن ثلاثة عناصر متوازية، هي: استكمال بناء المؤسسات، وتعزيز الوعي المجتمعي، وبناء الثقة، سواء الثقة بالمؤسسات أو بين السوريين أنفسهم.

ويحذر المحامي قربي، والذي شغل عضوية لجنة صياغة الإعلان الدستوري السوري، من أن فتح المجال العام من دون مناخ ثقة قد يحوله إلى" ساحة مناكفات" أو" خطاب كراهية".

الشرعية والتمثيل: من يمثل من وبأي تفويض؟في المراحل الانتقالية التي تعقب سقوط أنظمة طويلة الأمد، يبرز سؤال الشرعية بوصفه أحد أكثر الأسئلة تعقيداً وحساسية.

فبين منطق الضرورة السياسية ومنطق المشروعية القانونية، تتشكل منطقة رمادية تختلط فيها الاعتبارات الثورية بالمقتضيات الدستورية.

وفي هذا الإطار، تُطرح فكرة" الشرعية الثورية" بوصفها أساساً لإدارة المرحلة، لكنها تثير في الوقت ذاته إشكالية جوهرية: هل يمكن لهذه" الشرعية" أن تحل محل الشرعية القانونية القائمة على الانتخاب والتفويض الحر، أم أنها تظل استثناءً مؤقتاً تفرضه ظروف التحول؟يرى المحامي عبد العزيز درويش أن المرحلة الانتقالية تفرض إجراءات استثنائية، ويعتبر أن الشرعية فيها" مستمدة من الشرعية الثورية والضرورة الثورية"، ريثما تستعيد البلاد استقرارها ويسود السلم الأهلي.

لكن هذا الطرح لا يحظى بالإجماع، فالمحامي عارف الشعال يعتبر أن ما سُمّي بـ" الشرعية الثورية" هي شرعية" مفروضة تتعارض مع المشروعية القانونية التي تنص عليها قوانين النقابات نفسها"، مشيراً إلى أن إدارات النقابات في سوريا اليوم" تعين ولا تُنتخب"، ما يؤثر على استقلالها ويجردها من دورها الطبيعي كهيئات تمثيلية.

ومع ذلك، يقر المحامي الشعال بأن هذه التعيينات لاقت قبولاً نسبياً من بعض المنتسبين، باعتبارها بديلاً عن قيادات" البعث" ونظام الأسد.

أما السياسي والأكاديمي السوري رضوان زيادة، فيحذر من استمرار التعيين وتأخير الانتخابات، مشيراً إلى أنه" خلال العام الماضي جرى تعيين النقباء والمجالس التنفيذية من الهيئة العامة للشؤون السياسية"، معتبراً أن ذلك قد يكون مؤقتاً، لكنه يؤكد ضرورة" تنظيم الأمور وعقد الانتخابات بأسرع وقت حتى تستطيع النقابات أن تأخذ الشرعية القانونية الحقيقية".

بدوره، يشير المحامي أحمد قربي إلى أن الحديث عن التمثيل الديمقراطي الكامل في المرحلة الانتقالية يظل إشكالياً في ظل وجود لاجئين ونازحين وغياب البيئة الآمنة، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن النصوص الدستورية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تترجم إلى إطار قانوني يضمن استقلال النقابات فعلياً.

في مقابل ذلك، يرى رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال، فواز الأحمد، أن النقابات تقف أمام" اختبار تاريخي"، داعياً إلى نص دستوري يضمن حرية التنظيم، وقانون يسمح بالتعددية النقابية، وانتخابات بإشراف قضائي، حتى لا تبقى النقابات" هياكل إدارية لا أدوات تمثيل".

وبين الشرعية الثورية والشرعية القانونية، وضرورة الانتخابات، يتضح أن سؤال التمثيل ليس مسألة إجرائية فحسب، بل مسألة جوهرية تتعلق بمستقبل المجال العام نفسه، حيث تتحول النقابات هنا إلى ساحة مبكرة لاختبار هذا التوتر.

فإذا كانت الشرعية الثورية قد بررت، في نظر البعض، آليات التعيين المؤقتة لضمان الاستقرار وإدارة الفراغ، فإن استمرار هذه الآليات من دون أفق انتخابي واضح يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول معنى التمثيل نفسه، فالنقابة، بوصفها تنظيماً قائماً على إرادة أعضائه، لا تستمد قوتها من القرار الإداري والشرعية السياسية، بل من التفويض الحر والمشروعية القانونية.

الدور المنتظر: تمثيل مهني أم فاعل سياسي؟إذا كان الجدل حول الشرعية يحدد كيفية تشكل النقابات، فإن سؤال الدور يحدد معناها الفعلي في المرحلة المقبلة، فالنقابة ليست مجرد هيئة إدارية تُعنى بتنظيم شؤون المهنة، بل قد تتحول، في سياق انتقالي هش كالحال في سوريا، إلى فاعل اجتماعي وسياسي مؤثر.

وهنا يبرز السؤال المركزي: هل يقتصر دورها على التمثيل المهني الضيق، أم أنها مطالبة بلعب دور أوسع في إعادة بناء المجال العام؟الإجابة لدى المختصين الذين تحدثنا معهم لا تأتي بصيغة واحدة، لكنها تكشف عن تصور متقدم لوظيفة النقابات يتجاوز المفهوم التقليدي لها.

يقدم المحامي محمد أحمد الحربلية تصوراً تفصيلياً ومتدرجاً لأدوار النقابات، فيرى أنها تضطلع بدور مهني يتمثل في الدفاع عن مصالح أعضائها وتطويرهم مهنياً وتعزيز آداب المهنة والحفاظ على قيمها ومبادئها.

لكنه لا يقف عند هذا الحد، بل يؤكد أن للنقابات دوراً اجتماعياً من خلال تنظيم كوادر المجتمع والدفاع عن القضايا العامة ودعم حقوق الإنسان والحريات.

كما يشير الحربلية إلى دورها السياسي بوصفها جماعات ضغط قادرة على التأثير في السياسات الحكومية، لا سيما فيما يتعلق بتعديل أو إصدار القوانين، مضيفاً إلى ذلك بعداً ثقافياً يتمثل في نشر الوعي، وبعداً اقتصادياً من خلال ما تقدمه من خدمات وتأمينات ومشاريع دعم لأعضائها، بما يسهم، وفق وصفه، في الاستقرار الاقتصادي العام.

أما المحامي أحمد قربي فيربط الدور النقابي بسياق أوسع من مجرد المطالب المهنية، مؤكداً أن النقابات لها" دور تمثيلي" أساسي في الدفاع عن مصالح أعضائها، لكنها أيضاً تؤدي" دوراً تنظيمياً" مهماً في إعادة ترسيخ فكرة وجود تنظيمات مجتمع مدني مستقلة عن السلطة، بعد أن جرى إفراغها من مضمونها في السابق.

ويرى قربي أن للنقابات دوراً سياسياً يتمثل في التأكيد على الثوابت الوطنية، مثل الحرية والكرامة ووحدة سوريا ورفض الارتهان للأجندات الخارجية، معتبراً أن النقابات يمكن أن تسهم في تعزيز البناء المؤسسي واستعادة الثقة، سواء بين الأفراد أو بين المجتمع والمؤسسات.

ويذهب المحامي عارف الشعال أبعد من ذلك، إذ يرى أن النقابات، في ظل" حالة التصحر والفراغ السياسي" التي خلفتها عقود الاستبداد، يمكن أن تتحول إلى قوة دافعة تقود المسار نحو دولة القانون.

ولا يحصر المحامي الشعال دور النقابات في أعضائها فحسب، بل يضعها في موقع الدفاع عن الحقوق والحريات، وترسيخ سيادة القانون، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، معتبراً أن استقلال النقابات وقدرتها على تمثيل مصالح أعضائها يمنحها شرعية اجتماعية قد لا تتوافر للقوى السياسية التقليدية في هذه المرحلة.

وفي السياق نفسه، يؤكد الباحث رضوان زيادة أن النقابات" ليست ترفاً على الإطلاق"، بل ركيزة أساسية لتنظيم العمل المهني وفتح حوار مع الحكومة من أجل رفع مستوى الأداء والحياة المهنية عموماً.

ويرى زيادة أن دور النقابات لا يقتصر على الجانب المهني، بل يمتد إلى تنظيم المجال العام وتعزيز النقاش العام في الحياة السياسية، مشيراً إلى أن قدرتها على ممارسة عملها بحرية تضيف هامشاً مهماً إلى عملية الانتقال الديمقراطي.

وحتى الصوت الرسمي، ممثلاً برئيس الاتحاد العام لنقابات العمال، لا ينفي هذا البعد الواسع، إذ يعتبر أن النقابة قد تكون" أول مساحة يمارس فيها المواطن الانتخاب والمحاسبة والعمل الجماعي والدفاع عن الحقوق"، ويربط نجاحها بإجراء انتخابات حرة وبقدرتها على التحول من هيكل إداري إلى أداة تمثيل حقيقية.

بهذا المعنى، لا تعود النقابة مجرد إطار مهني تقني، بل تتحول إلى مدرسة عملية للمشاركة والتنظيم والمساءلة، والسؤال لم يعد إن كانت ستلعب دوراً سياسياً، بل كيف ستوازن بين دورها المهني المباشر ودورها المجتمعي الأوسع، من دون أن تتحول إلى حزب سياسي، أو تعود إلى كونها ذراعاً للسلطة.

العلاقة مع السلطة: شراكة أو تكامل أم استقلال كامل؟لا يقل سؤال العلاقة مع السلطة أهمية عن سؤال الشرعية أو الدور، فالنقابة، بحكم تعريفها، تنظيم مستقل يمثل مصالح أعضائه، لكنها تعمل في الوقت نفسه داخل دولة ومؤسسات تنفيذية وتشريعية.

وفي المرحلة الانتقالية تحديداً، يصبح تحديد شكل هذه العلاقة أمراً مفصلياً: هل تكون علاقة شراكة وتكامل في بناء المؤسسات؟ أم علاقة رقابة مستقلة؟ أم انفصال كامل يضمن عدم إعادة إنتاج التبعية السابقة؟هنا يظهر التباين الأوضح بين الخبراء والباحثين في هذا التقرير، ليس حول ضرورة استقلال النقابات، بل حول طبيعة المسافة التي يجب أن تفصلها عن السلطة.

المحامي أحمد قربي يتحدث بوضوح عن علاقة" تكاملية"، لا تبعية فيها ولا هيمنة، حيث يرى أن النقابات يفترض أن تدعم بناء المؤسسات وتعزز وجودها، وأن يكون لها دور في التعاون مع الوزارات والهيئات، مثل العلاقة المفترضة بين نقابة الأطباء ووزارة الصحة، أو نقابة المحامين والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.

ويشدد قربي في الوقت نفسه على ضرورة تجنب" الطغيان" أو الدخول في علاقة تبعية كما كان الحال في زمن النظام المخلوع، بحيث تبقى النقابة مستقلة وهي تمارس دورها الداعم والرقابي.

أما المحامي عبد العزيز درويش فيرى إمكانية قيام علاقة" تشاركية" بين النقابات والسلطة، معتبراً أن هذه العلاقة قد تصل أحياناً إلى" تصادم سياسي" بهدف تصحيح المسارات التي قد تنحو إليها السلطة، وحماية مصالح المجتمع الذي تمثله النقابات.

ويربط درويش ذلك بضرورة وجود قانون انتخابي حقيقي يمنع تدخل السلطة في اختيار ممثلي النقابات، بما يضمن أن تكون الشراكة قائمة على تمثيل حقيقي لا على تعيين مفروض.

في المقابل، يتحدث رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال، فواز الأحمد، عن" شراكة ثلاثية"، تقوم على التعاون بين العمال وأصحاب العمل والدولة، مع تأكيده على أن العلاقة المستقبلية يجب أن تكون" لا وصاية، لا تبعية، ولا احتكاراً للتمثيل"، وأن نجاح النقابات يتطلب استقلالاً مالياً وانتخابات بإشراف قضائي ونصوصاً دستورية واضحة تضمن حرية التنظيم.

وعلى الطرف الآخر من الطيف، يرفض المحامي عارف الشعال فكرة الشراكة من حيث المبدأ، مؤكداً أن النقابات يجب أن تكون" مستقلة تماماً عن السلطة، ولا حتى شريكة لها، ولا تسمح لها بأي نوع من أنواع الوصاية".

ويرى الشعال أنه في حال وقوع صدام بين النقابات والسلطة، فإن" القضاء المستقل هو الفيصل"، معتبراً أن استقلال النقابات شرط أساسي لتؤدي دورها في الدفاع عن الحقوق والحريات، لا أن تتحول إلى امتداد للسلطة التنفيذية.

أما الدكتور رضوان زيادة فيحذر من أن بقاء النقابات" جزءاً من السلطة الحاكمة" يعيق دورها ويعيد إنتاج أنماط السيطرة التي كانت قائمة خلال سنوات حكم الأسد، معتبراً أن استقلالها شرط لتمكينها من الضغط وتنظيم العمل المهني وفتح حوار حقيقي مع الحكومة.

ويجمع معظم الشهود، رغم اختلاف مقارباتهم، على أن النصوص الدستورية وحدها لا تكفي، فحتى مع وجود ضمانات دستورية لحرية تنظيم النقابات، يبقى الأمر رهناً بقوانين واضحة تضمن التعددية النقابية، والاستقلال المالي، ومنع حل النقابات أو التدخل في عملها من قبل السلطة التنفيذية، وإجراء انتخابات حرة تعيد لها شرعيتها التمثيلية.

هل نجاح النقابات مؤشر مبكر على مسار الديمقراطية؟إذا كانت النقابات إحدى أولى المساحات التي يُفترض أن يُمارس فيها الانتخاب والمساءلة والعمل الجماعي، فإن أداءها في المرحلة الانتقالية لا يمكن فصله عن المسار الديمقراطي الأوسع، لذلك، لا يُطرح سؤال نجاحها أو فشلها بوصفه تقييماً قطاعياً، بل بوصفه اختباراً مبكراً لطبيعة النظام السياسي الذي يتشكل، فالنقابة، بحكم بنيتها القائمة على التمثيل والتنظيم، تعكس بشكل مباشر هامش الحرية المتاح في المجال العام.

وفي سؤالنا عما إذا كان يمكن اعتبار نجاح النقابات مؤشر مبكر على مسار الديمقراطية في سوريا، يكاد يتشكل إجماع نسبي بين الشهود، مع اختلاف في زاوية النظر.

يعتبر المحامي محمد أحمد الحربلية أن استقلالية النقابات وما تتمتع به من حرية ومزايا الحق النقابي" يعطي انطباعاً واضحاً عن مسار الديمقراطية في البلاد"، في إشارة إلى أن مستوى الحرية داخل النقابات يعكس مستوى الحرية في النظام السياسي ككل.

أما الدكتور رضوان زيادة فيرى أن حرية العمل النقابي" مؤشر من مؤشرات التحول الديمقراطي"، موضحاً أن قدرة النقابات على ممارسة عملها بحرية والضغط من أجل تنظيم شؤونها المهنية يعزز هامش الانتقال الديمقراطي ويغني النقاش في الحياة السياسية العامة، محذراً في الوقت نفسه من أن تحول النقابات إلى جزء من السلطة الحاكمة يعيق دورها ويعيد إنتاج أنماط السيطرة السابقة.

ويؤكد المحامي أحمد قربي أن فشل النقابات في أداء أدوارها التمثيلية أو الرقابية أو البنائية سيكون" مؤشراً خطيراً"، وإن لم يكن المؤشر الوحيد، معتبراً أن عودتها إلى النماذج التي كانت سائدة في زمن النظام المخلوع تعني استجرار المشكلات ذاتها.

أما المحامي عارف الشعال فيربط المسألة بواقع" التصحر والفراغ السياسي"، معتبراً أن النقابات بما تمتلكه من امتداد اجتماعي وخبرة تنظيمية يمكن أن تتحول إلى" قاطرة تدفع باتجاه ترسيخ دولة القانون"، وأن استقلالها وقدرتها على تمثيل مصالح أعضائها تمنحها شرعية اجتماعية قد لا تتوفر للقوى السياسية التقليدية في هذه المرحلة.

ويؤكد أيضاً رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال، فواز الأحمد، أن إجراء انتخابات نقابية حرة يعني أن المجتمع بدأ ينظم نفسه فعلياً، وأن بقاء التمثيل شكلياً سيشكل مؤشراً مبكراً على تعثر التحول.

هل سيُسمح للمجتمع السوري أن ينظم نفسه هذه المرة؟وفي ختام هذا النقاش، يتقاطع سؤال أعمق طرحه أكثر من شاهد: هل سيُسمح للمجتمع السوري أن ينظم نفسه بشكل حقيقي هذه المرة؟يرفض المحامي عارف الشعال صيغة" السماح" من حيث المبدأ، معتبراً أن التنظيم" حق يُمارس ولا يُمنح"، وأن المجتمع لا ينبغي أن ينتظر إذناً من السلطة ليؤسس تنظيماته.

وفي المقابل، يشير آخرون إلى أن المرحلة الانتقالية تفرض توازناً دقيقاً بين الحفاظ على الاستقرار وفتح المجال أمام ممارسة الحريات، بما في ذلك حرية التنظيم النقابي.

وبذلك، لا يكون نجاح النقابات مجرد إنجاز مهني، بل علامة مبكرة على اتجاه التحول السياسي في البلاد، حيث تبدو النقابات في سوريا الخارجة من ستة عقود من الاستبداد أمام" فرصة تاريخية" لاستعادة روحها، لا بوصفها منظمات شعبية ملحقة بالسلطة، بل كسلطات مجتمعية مستقلة.

ويؤكد الشهود أن النقابات قد لا تكون بديلاً عن السياسة، لكنها قد تكون أول مدرسة لها، وإذا كانت الديمقراطية تقاس بقدرة الناس على تنظيم أنفسهم بحرية، فإن صناديق الاقتراع النقابية قد تكون أول اختبار عملي لجدية تحول المجال العام في سوريا الجديدة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك