في وقت تتعدد فيه النقاشات حول قضايا النساء في سوريا، يتقاطع الخطاب الحقوقي مع تفاصيل الحياة اليومية في البيوت والأسواق وأماكن العمل.
وبين مطالب تعديل القوانين وتعزيز المشاركة السياسية، وأسئلة الاستقرار المعيشي والأمان داخل الأسرة، تتشكل صورة مركّبة تعكس تنوّع التجارب واختلاف الأولويات.
لا تبدو النساء في سوريا كتلة واحدة يمكن اختزالها في موقف موحّد من النسوية أو من مفهوم الحقوق، بل تتباين آراؤهن تبعاً لظروفهن الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية.
في هذا التقرير، يرصد موقع تلفزيون سوريا نماذج من هذه الأصوات المتعددة، ويضيء على المسافة ــ أو التقاطع ــ بين الخطاب المتداول حول النسوية، وما تعبّر عنه نساء في حياتهن اليومية بلغة مختلفة وأولويات متباينة.
" طبعاً بدنا حقوق.
بدنا نطلقهم بنفس السهولة اللي بطلقونا فيها"، تقول أم سامر ذلك وهي تقف في سوبرماركت صغير، تحسب ثمن المشتريات وتعيد أكثر من مرة حساباتها، قائلةً: " غلط ثاني بطلقني أبو سامر.
عم خربط بالعملة الجديدة".
حديثها عن الطلاق لا يحمل مصطلحات قانونية، بل خوفاً يومياً من أن تجد نفسها فجأة خارج بيتٍ عاشت فيه لسنوات.
لكنها عندما تُسأل عن الحركات النسوية في سوريا، وعن النساء النسويات تتوقف وتسأل: " نسوية؟ وبشو عم يطالبوا؟ ما سمعت فيهن من قبل.
".
في المقابل، تقول الناشطة عريفة موسى إن من أبرز القضايا التي تتكرر في الخطاب النسوي اليوم: العنف ضد المرأة، بما يشمل الضرب والزواج القسري والتحرش، إضافة إلى المطالبة بتعديل قوانين تتعلق بالطلاق والحضانة والميراث، والعمل على إلغاء ما يعرف بجرائم الشرف.
وتضيف: " من بين المطالب أيضاً تعزيز مشاركة المرأة في الحياة العامة والسياسية، ودعم التمكين الاقتصادي عبر فرص العمل والمشاريع الصغيرة، إلى جانب متابعة ملف المعتقلين والمفقودين.
" وتلخص بعبارة" الأمان والكرامة" كل تلك الملفات.
وتقول: " النسوية تقول مناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، والمرأة في الريف تقول أريد العيش بكرامة ودون ضرب.
".
رفض الفكرة.
والاتفاق مع جوهرها.
في ريف دمشق، لا تخفي أم عهد موقفها.
تقول بوضوح: " شو النسوية؟ أخذن حقوقهن وزيادة.
المشكلة إنه ما عاد في احترام لكلمة الرجل في البيت.
" بالنسبة لها، النقاش لا يتعلق بتعديل قوانين أو توسيع تمثيل، بل بما تعتبره اختلالاً في ميزان العلاقة داخل الأسرة.
حديثها ينطلق من تصور تقليدي لدور الرجل، وترى أن بعض الطروحات المطروحة اليوم تتجاوز، في نظرها، هذا الإطار.
في المقابل، تقول سها، وهي مهندسة وأم لابنتين وولد، إنها لا تصنّف نفسها ضمن التيار النسوي، ولا تميل إلى ما تصفه بـ" الحركات النسوية العنيفة" بحسب رأيها.
وتضيف: " أنا أربي أبنائي من دون تمييز بين الذكر والأنثى، سواء في الدراسة أو في المسؤوليات داخل المنزل.
هذا بالنسبة لي هو العدل.
" لا تستخدم سها لغة المطالب القانونية أو التمثيل السياسي، لكنها تتحدث عن ممارسة يومية للمساواة داخل بيتها.
بين الموقفين، يختلف تعريف كل منهما لما تعنيه العدالة داخل الأسرة.
أم عهد تربط الاستقرار بالحفاظ على موقع الرجل داخل البيت، في حين ترى سها أن العدالة تتحقق عبر المساواة في التربية وتقاسم المسؤوليات.
كلا الصوتين يصدر من مساحة خاصة، ومن تجربة شخصية داخل البيت، لا من منصة عامة أو نشاط منظم.
بين النص القانوني والقدرة على استخدامه.
عندما توفي زوج أماني، تصاعدت الخلافات مع أهل الزوج حول السكن وبعض المدخرات.
الاجتماعات العائلية تكررت، والكلام طال، والضغط ازداد.
في النهاية، خرجت أماني مع ابنتها لتستأجر بيتاً آخر.
" خلص تعبت"، تقول لموقع تلفزيون سوريا، مضيفة أنها تنازلت عن جزء مما كان حقاً لها كي تُنهي الخلاف.
اليوم تدفع إيجاراً شهرياً، وتقول إن الاستقرار الذي كانت تعيشه تبدل إلى حسابات دقيقة للمصاريف والخوف من أي طارئ.
" قصتنا تروى كثيراً في المسلسلات والخطابات، لكن حياتنا لم تتغيّر"، تضيف.
في مكان آخر من المدينة، تنظر مارين إلى المشهد من زاوية مختلفة.
لا ترى أن المسألة ترتبط بخلافات على حقوق، بل بالقدرة على تأمين الحياة اليومية.
تقول لموقع تلفزيون سوريا إن النساء حصلن على ما يكفي من الحقوق، وإن ما يشغلها الآن هو العمل وتحصيل الدخل وتأمين مستقبل أولادها.
يشغلني أن أأمّن مستقبلهم وأسفّرهم"، تقول، معتبرة أن الاستقرار الاقتصادي يتقدم على أي نقاش آخر.
بين تجربة أماني التي انتهت بانتقال إلى بيت مستأجر، وانشغال مارين الدائم بمصاريف البيت ومخططات السفر، تتجاور روايتان لواقع واحد، كل واحدة تنطلق من موقع مختلف داخل الحياة اليومية.
اختلاف الاحتياجات.
أم اختلاف الموقع؟تقول الناشطة النسوية آية قواف لموقع تلفزيون سوريا: " إن ترتيب الأولويات يتغير تبعاً للسياق الذي تعيشه كل امرأة.
".
وتشير إلى أن النقاش حول القوانين أو التمثيل السياسي لا يُفهم بالطريقة نفسها في جميع البيئات.
فبحسب قولها، المرأة التي تعيش في مخيم أو منطقة تفتقر إلى الخدمات الأساسية سيكون همّها الأول تأمين الغذاء والتعليم والأمان المباشر لها ولأطفالها قبل التفكير في المشاركة في مواقع صنع القرار أو تعديل مواد دستورية.
وتضيف: " إن اختلاف ترتيب المطالب لا يعني اختلافاً في القيمة، بل اختلافاً في نقطة البداية".
أي أن هناك من تنطلق من سؤال الاستقرار المعيشي، وهناك من تنطلق من سؤال الحماية القانونية، وأخرى ترى أن المشاركة في المجالس والهيئات ضرورية لضمان بقية الحقوق.
وترى أن هذه المستويات تتقاطع أحياناً وتبتعد أحياناً أخرى، بحسب الظروف الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية.
وتوضح أن بعض النساء لا يستخدمن المصطلحات الحقوقية المتداولة، لكنهن يعبّرن عن مطالب واضحة تتعلق بالأمان أو العدالة داخل الأسرة أو القدرة على اتخاذ قرار.
وتشير إلى أن النقاش العام" قد يبدو أحياناً بعيداً عن بعض النساء بسبب اللغة المستخدمة أو طبيعة المنصات التي يُطرح فيها".
الناشطة عريفة الموسى تذهب في الاتجاه نفسه، معتبرة أن نساء الأحياء الشعبية قد يضعن الاستقرار المعيشي في المقدمة، لكن هذا لا يعني أنهن يرفضن الحماية من العنف أو العدالة في الطلاق.
" هناك تقاطع كبير بين مطالب النسويات ومطالب النساء عموماً، الفرق باللغة والطريقة"، تقول.
في المقابل، ترى أم سامر أن العدالة في الطلاق أولوية، لكنها لا تربطها بحركة أو خطاب منظم بل تقولها بمزحة فاقدة الأمل.
وترى أم عهد أن المشكلة في تجاوز ما تعتبره حدوداً داخل الأسرة، لا في غياب الحقوق.
بينما تمارس سها مساواة داخل بيتها من دون أن تمنحها اسماً أو إطاراً عاماً.
إحدى السيدات، التي طلبت عدم ذكر اسمها، وتنشط في مجال العمل النسوي داخل سوريا، تقول إنها في الفترة الأخيرة فضّلت الابتعاد عن المشهد العام.
توضح أنها غير راضية عمّا يجري، وتشعر بأن جزءاً من الخطاب المتداول" أصبح منفصل عن الواقع"، على حد تعبيرها.
وتضيف أن بعض الطروحات، ولا سيما تلك الصادرة عن نسويات سوريات يقمن في أوروبا، لا تعكس دائماً تفاصيل الحياة اليومية داخل البلاد.
" الحياة تختلف عن قرب"، تقول، مشيرة إلى أن المسافة الجغرافية قد تؤثر في زاوية النظر إلى الأولويات وطريقة طرح القضايا.
هذا الرأي يأتي من داخل الدائرة نفسها، ويعكس تبايناً في تقييم المرحلة وفي طبيعة الخطاب المستخدم.
لا ترسم هذه الشهادات صورة واحدة يمكن اختصارها في موقف موحد.
فبين من ترى أن الحقوق تحققت، ومن تصف الطريق إليها بأنه شاق، ومن ترفض الخطاب النسوي شكلاً، ومن تمارس بعض ممارساته من دون أن تسميها، ومن لم تسمع به أصلاً، يتشكل مشهد متعدد الطبقات.
في هذا المشهد، تتجاور أولويات المعيشة اليومية مع المطالب القانونية، ويختلط النقاش حول التمثيل السياسي بأسئلة الاستقرار داخل البيت، وتتفاوت التعريفات لما تعنيه العدالة أو الكرامة من امرأة إلى أخرى.
السؤال الذي يبقى مطروحاً لا يتعلق بتصنيف النسوية السورية، بل بمدى قدرتها على مخاطبة هذا التعدد: نساء تختلف ظروفهن الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية، وتختلف كذلك لغتهن في التعبير عن ما يردنه.
بين الخطاب المتداول في المنصات، والعبارات التي تُقال في الأسواق والبيوت، لا يظهر خط فاصل واضح بقدر ما تظهر مساحات متداخلة، تتقاطع فيها التجارب أحياناً، وتبتعد أحياناً أخرى، من دون أن تستقر على صيغة واحدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك